أصول الجمع وكليات الوفاق بين المذهبين الإباضي والمالكي
الجزء ١ · صفحة ١٣٠أما المثال الثاني للمصالح المرسلة التي أخذ بها الإباضية في الجزائر والتزموا العمل بها ـ ويعاقب من خالفها عقابا روحيا أدبيًّا بالبراءة وعقابًا ماديًّا إجباريًّا بالتراجع عن مخالفته ـ مصلحة نظام البناء والعمران واحترام الهندسة المعمارية التي ارتضاها المسلمون القاطنون بوادي ميزاب جنوب الجزائر، حيث المناخ قاريٌّ صحراوي شديد التفاوت والتغاير والتبدُّل بين الليل والنهار وبين الشتاء والصيف؛ ممَّا يقتضي اقتضاء ضروريا لسلامة أفراد الأسرة في البيت أن يتعرَّض المسكن شتاء لأشعة الشمس عند الشروق وعند الغروب؛ لتخفيف وطأة البرد، ويتعرَّض صيفًا لنسيم الصَّبَا بعد الغروب وفي الليل؛ لتخفيف وطأة هجير القيلولة، وكل ذلك مع مراعاة حُرمَة الأسرة في مسكنها؛ فلا يطلُّ عليها جارها ولا يطَّلع عليها وعلى أسرارها وعوَرَاتِها من هنا أو هناك، فمراعاةً لكلِّ تلك المصالح المعتبرة شرعا ومعاشًا وضع تصميم خاصٌّ للمسكن الإباضي في تلك المنطقة؛ يُعرِّضة لمقتضيات الصحَّة صيفًا وشتاء، ويصون الحرم والعائلات عن أعين الجار بل الأجوار شرقا وغربًا، شمالاً وجنوبا، يمينا وشمالا، وأمامًا وخلفا، بما في ذلك تحديد رفع البناء إلى حدٍّ معيَّن