أهمية الحضارة من خلال قصص الأنبياء في القرآن الكريم لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ٢التفاعل الإيجابي مع كون الله، وإن غيبت القراءةُ الجوفاءُ في كتب التاريخ المعاصر الدورَ الأساس للأنبياء في بناء حضارة أقوامهم، وأبعدت تحليلاتُ الأوربيين الذين فكوا رموزَ الكتابات القديمة ورسومَ الحفريات معاني توحيد الله، فصاروا يفسرون كلَّ صور الحكام على أنها رموز للآلهة المتعددة، ويحللون كلَّ شيء بمنطق الوثنية والشرك، وغرضُهم في ذلك إقرار حرية الإنسان الأول من القيود، وتوثيقُ الانحلال الخلقي والفحش والمنكر كأصول متجذرة في العنصر البشري.
فلو أخذنا كمثال الحضارة المصرية فسنجد أنها انتشرت في بلاد صحراوية تحرقها الشمس، واحتشدت في واد ضيق يرويه نهر النيل، واتسعت إلى عدة مدن، ودامت 30 قرنا(1)، السلطة الكاملة فيها للحكام الفراعنة الذين يقال إنهم يعتبرون أنفسهم آلهة، أو ينحدرون من نسل الآلهة، لإعطاء المهابة للحاكم، والاستسلام له بالسلطة المطلقة في تسيير الدولة. وكانت صورتهم في الغالب على هيئة بشرية برؤوس حيوانية دليلا على اتحاد الإقليم الجنوبي مع الشمالي، الذَين كانا يتميزان برموز خاصة لكل منهما(2).
وأغلب تفسيرات هذه الحضارة انطلقت من خلال أبحاث شامبليون(3) الذي فك شفرة اللغة الهيروغليفية، بتفسير الإشارات التي تحتوي على أشكال من الطبيعة والإنسان والحيوان والنبات والماء والشمس وغيرها من الظواهر الطبيعية على أنها آلهة، وسارت الأبحاث بعده على تحليلاته، وغيب أثر الأنبياء مطلقا من حياة هذه الحضارة رغم أن إسماعيل حامد عدد 19 نبيا عاشوا على أرض مصر(4)، وعلى رأسهم سيدنا موسى ويوسف عليهم السلام.
فلو أعاد الباحثون المسلمون المتخصصون قراءة الأثريات بمنطق قوله تعالى: وَإِن مِّنُ امَّةٍ الاَّ خلاَ
(1) - مرت الحضارة المصرية القديمة بثلاث دول كبرى هي: الدولة القديمة، والدولة الوسطى، والدولة الحديثة؛ انظر: أبوالمحاسن عصفور محمد، معالم تاريخ الشرق الأدنى من أقدم العصور إلى مجيء الاسكندر، بيروت، دار النهضة، ص: 94.
(2) - سليم أحمد أمين، عبد اللطيف سوزان، دراسات في تاريخ وحضارة الشرق الأدنى القديم، مصر دراسة حضارية، الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية، ص 81.
(3) - جون فرانسوا شامبليون (1790 - 1832)، عالم فرنسي استطاع فك رموز اللغة المصرية القديمة بعد استعانته بحجر رشيد (مكتوب في 196ق. م) الذي كان قد اكتشف أثناء الحملة الفرنسية على مصر1799، وقد نقش على الحجر نص بلغتين وثلاث كتابات: اللغة الأولى: المصرية القديمة ومكتوبة بالهيروغليفية التي يكتب بها في جدران المعابد والبرديات لقداستها، ومكتوبة أيضا بالديموطيقية وهي الكتابة الشعبية، وبالقبطية كذلك. أما اللغة الثانية فهي اللغة اليونانية المكتوبة بالأبجدية اليونانية.
ومن خلال المقارنة بين هذه اللغات والكتابات تمكن شامبليون من فك طلاسم الكتابة الهيروغليفية.
(4) إسماعيل حامد: الأنبياء والرسل في مصر القديمة: ديانة المصريين القدماء بين تعاليم الأنبياء وتحريف الكهنة، مكتبة النافذة، مصر.2011.