أهمية الحضارة من خلال قصص الأنبياء في القرآن الكريم: سيدنا سليمان عليه السلام أنموذجا مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أهمية الحضارة من خلال قصص الأنبياء في القرآن الكريم لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٣

فِيهَا نَذِيرٌ، وقولِه أيضا: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً، وبإشعاع الآية الجامعة: يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالاِنسِ أَلَمْ يَاتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمُ ءَايَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَى أَنفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمُ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَافِرِينَ (130) ذَالِكَ أَن لَّمْ يَكُن رَّبُّكَ مُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ. لتوصلوا إلى نتائج مختلفة عما يشاع عن حضارة مصر، ولأدركنا قيمة التغييرات التي أحدثها الأنبياء في المجتمع المصري، ولعلمنا أن هذه الحضارة الطويلة لم تكن كلها وثنية كما يشاع، فهذا غير معقول تماما، ويتعارض مع نواميس الله في كونه، وإنما كان للأنبياء دور مهم في توجيه الناس في دنياهم وآخرتهم، وإيقاظ الهمم لصنع مجتمع متحضر، وإلى استغلال كون الله المفتوح لاكتشاف آلائه، وكشف أغواره.

ويمكن أن نستدل كذلك بسيدنا نوح - عليه السلام - حينما نبه قومه إلى ظواهر طبيعية في غاية الوضوح، فبين لهم ضياء الشمس، وانعكاس ضوئها على سطح القمر ليشع نورا يتلألأ في الليلة المقمرة، فقال لقومه: اَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا، وهو بهذا سابق لكل النظريات العلمية والحضارات التاريخية في اكتشاف حقيقة القمر. كما أن سيدنا إبراهيم - عليه السلام - أشار إلى قومه بالنظر في الأفلاك والنجوم والتمعن في ظهورها وخفائها.

أهمية الحضارة في دعوة سيدنا سليمان عليه السلام:

من أراد أن يتحدث عن الحضارة التي تُعرَّف بأنها تفاعل الإنسان مع الكون والحياة، فعليه أن يستذكر قصة نبينا سليمان الأواب - عليه السلام -، هذا النبي الذي تفاعل مع الإنسان والطير والجن وأجريت له الريحُ رخاءً وعاصفةً، وسخر الله له الشياطينَ يبنون له الأعاجيبَ ويغوصون في البحر، ووُهب له الخيلَ السراع، والجيشَ المطاعَ المنظم، ووُهب فوق كل هذا المُلكِ التذللَ لمالك يوم الدين، والخضوعَ للقاهر فوق عباده، فقال الله عنه: "وَلَقَدَ ـ اتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا، وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِّنْ عِبَادِهِ الْمُومِنِينَ".

فقد تفقّد سيدُنا سليمانُ - عليه السلام - ذاتَ مرة جندَه من الطير، فلم يجد بينهم طائرَ الهدهد، فقال: "مَا لِي لآَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَآئِبِينَ"، وتوعده بالعقاب إلاَّ أن يأتي بدليل يبرر غيابَه.

ولما عاد الهدهد أسرع لإعلام سليمانَ - عليه السلام - وقدم له تقريرا عن الحالة السياسية، والاقتصادية، والدينية للمملكة التي عاينها وزارها، ثم أمره سيدنا سليمان - عليه السلام - أن يحمل رسالةً إلى هذه الملِكة فقال: "اذْهَب بِّكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهِ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ".

٣ / ٥