أهمية الحضارة من خلال قصص الأنبياء في القرآن الكريم: سيدنا سليمان عليه السلام أنموذجا مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

أهمية الحضارة من خلال قصص الأنبياء في القرآن الكريم لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٤

ألقى الهدهدُ الكتاب بين يدي الملِكة، فلما قرأته، جمعت وزراءَها ومستشاريها قائلة: "يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اِنِّيَ أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ"، وتلت عليهم مضمونَه، وفيه: "إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَاتُونِي مُسْلِمِينَ"، ولما أكملت قراءته، أجمعت حاشيتها واستشرتهم ثم قررت الملكة الحكيمة أن تصانع سليمان بالهدايا، ولما تلقى سليمان - عليه السلام - هدايا الملكة قال: "قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَآ ءَاتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِّمَّآ ءَاتَاكُم بَلَ اَنتُم بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ". وأعلن بذلك عن عدم حاجته إلى المال، فإنما هو رسول من الله، وصاحبُ دعوة ربانية، فرجع الرسل محملين بالتهديد الشديد.

عزمت الملكة على الاستسلام والانقياد، وشدَّت رحالَها وأحمالَها، وسارت برَكْبِها إلى سليمان - عليه السلام -.

وقبل وصول القوم طائعين منقادين إلى سليمان - عليه السلام -، قال لوزرائه من الإِنس والجن: "قَالَ يَآ أَيُّهَا الْمَلأُ اَيُّكُمْ يَاتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَّاتُونِي مُسْلِمِينَ". فتسارع جنودُ سليمان وأنصارُه لتلبية الطلب، وإذا بعرش ملكة سبأ حاضرٌ بين يدي سليمان - عليه السلام - قبل أن يرتد إليه طرفه. فلما رآه مستقراً عنده قال: "قَالَ هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِيَ ءَآشْكُرُ أَمَ اَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ".

امتحن سليمان قوة ملاحظة الملكة فغير بعضَ معالمِ عرشها، ونكَّرَه لها، فقيل لها: "أَهَكَذَا عَرْشُكِ؟! " فنظرت إليه وتأملته ثم "قالت: كأنه هو" وهي قولة دبلوماسي فَطِن. لتعلن بعد ذلك أن الذي جاء بها إلى سليمان هو ما سمعته عن قوة سلطانه، وملكه العظيم، وأنه مؤيد بما لم يؤيَّد به ملِكٌ آخر.

ثم دُعيت الملكةُ إلى دخول الصرح الذي أعدَّه لها سليمان - عليه السلام -، وجعل أرضَه ممرَّدَة من زجاج لامع، ومهيَّئةً بشكل يخَاله الناظر بِركةً، فقيل لها: "ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا"، فقال لها سليمان - عليه السلام -: "إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ"، فأدركت في ذلك الموقف أن علمها وحضارتها لم يسعفاها للتفطن إلى مظاهر هذه الحضارة الجديدة الراقية، فأعلنت إيمانَها وقالت: "رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".

يستوقفنا في هذه القصة الإيمانية استعمال سيدنا سليمان - عليه السلام - كلَّ مظاهر العظمة في حضارته لدعوة ملكة سبأ إلى الله الواحد الأحد، إذ أرسل إليها كتابا وصفه الله بأنه كريم، فبمجرد أن تلقته الملكة قرأت فيه حضارةَ سيدنا سليمان - عليه السلام -، وأدركت قدر المرسِل، فربما كان الكتاب من ورق راق وخفيف استطاع خلق ضعيف مثل طائر الهدهد أن يحمله آلاف الكيلومترات، ولنا أن نتخيل نوعية المداد والخط والزركشة التي طُرزت بها الرسالة، ولذلك وصفه رب العزة بالكريم.

وعندما حضرت الملكة بجيشها إلى سليمان - عليه السلام - وجدت عرشها الموصوف بالعظمة من رب العظمة

٤ / ٥