الألم المعاصر
الجزء ١ · صفحة ٩بعد هذا دعا هذه الأمة إلى أن تكون أمة أمر بمعروف ونهي عن منكر إذ قال : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران/104) ، وليس المراد بقوله : (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ) أن يسلك هذا المسلك جانب من الأمة مع تخلي جانب آخر عنه ، بل معنى هذا أن تكون هذه الأمة بأسرها أمة هذا شأنها ، وذلك بأن يوجد من بينهم جميعا من يتصف بهده الصفات ، أي لتكونوا أمة هذا شأنها ، فمن هنا للبيان وليست للتبعيض كما يتصور البعض ويدل على ذلك أن الله تعالى حصر الفلاح في هذا الصنف من الناس حيث قال : (وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، وذلك بتعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما ، فهذا مما يدل على أن الفلاح إنما هو منحصر في هذا الصنف من الناس الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ، الذين يدعون إلى الله ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون .
ثم بعد ذلك أتبع هذا التحذير من التفرق حيث قال : (وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (آل عمران/105)، فليس توسيط الدعوة إلى أن تكون الأمة أمة أمر بمعروف ونهي عن منكر فيما بين أمرها بإعتصامها بحبل الله وعدم تفرقها وبين تحذيرها من التفرق الذي وقعت فيه الأمم من قبلها إلا من أجل أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لوحدتها وتآلفها وتآزرها واجتماع شملها وتعاطفها .