نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ١

محَمَّد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال

في الاقتصاد الإسلامي

[ترقيم الصفحات موافق للمطبوع]

تقديم

د. ثابت محَمَّد ناصر

نشر جمعية التراث

القرارة - ولاية غرداية – الجزائر

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى

1425 هـ / 2004 م

تقديم محمد ناصر ثابت

دكتوراه دولة في العلوم الإسلاميَّة

بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

إنَّ الكتابة في موضوع تحت عنوان: «نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي» تعدُّ نادرة، خَاصَّةً بالنسبة للجزائر، حيث إِنَّ مواضيع الاقتصاد الإسلامي حديثة الإنتاج، وهي نادرا ما تُمزَجُ مع الفقه الإسلامي عَامَّة، والاقتصادي أو المالي خَاصَّةً. فحبَّذا لو أَنَّ البحوث الإِسلاَمِيَّة تجنح إِلىَ معالجة المسائل المعاصرة، اعتمادا على تخصيص وتجديد أو تحديث الدراسات الفِقْهِيَّة.

فَكُلَّمَا تعرَّض الباحث المسلم إلى دراسة ظاهرة واقعيَّة مثل مسألة المال فقها وأصولا واقتصاديًّا وعلاقتها بقاعدة الاستخلاف، مكَّن ذَلِكَ من إبراز هذه المسؤوليَّة وآثارها عَلَى ماهية الإدارة وشروطها ومقاصدها أو أبعادها وفق قواعد الفقه والاقتصاد الإسلاميَّين.

فمسؤوليَّة المسلم الشَّخصِيَّة أو الطبيعيَّة أو المعنويَّة على مستوى تسيير المشروع الاقتصادي وما يعتمد عليه أَو يخصِّص من موارد مادِّيَّة ـ وَخَاصَّةً منها العنصر المالي أَو رأس المال ـ ترتبط بما قد تتوفَّر لديه من شروط، مثل العقل والاستطاعة والإرادة والحرِّيَّة، وفق مجموعة من القواعد الفقهيَّة، مثل: «الغنم بالغرم»، و «الغلَّة بالضمان»، و «المسؤوليَّة حسب التعدِّي والتقصير» … إلخ.

وتتحكَّم الضوابط الإِسلاَمِيَّة لتخصيص الموارد الاقتصاديَّة، ومنها عنصر المال في كُلِّ جوانب ومراحل الوظيفة الاستخلافيَّة، بدءًا بحيازة «الملكيَّة» إلى الاستثمار، أو العمارة والإنتاج والتوزيع وترشيد السلوك الاستهلاكي، بغية الادِّخار، ثُمَّ الاستثمار، لضمان استمراريَّة أو سيرورة العمران.

ثُمَّ إِنَّ شروط الحضارة المادِّيَّة والمعنويَّة أو الروحيَّة التي يجب أن تتمتَّع بقواعد السلامة الشَّرعِيَّة، قد تستفيد بنتائج “الحضارات” الْمَادِّيَّة المعاصرة، خَاصَّةً من ناحية تكنولوجيا التسيير والإنتاج، وَلَكِن مع مراعاة شروط أسلمتها، أي توظيفها في إطار مقاصد الشريعة، ضروريًّا وحاجيًّا وتكميليًّا.

كذلك إِنَّ قواعد السلامة الشَّرعِيَّة لا تتحكَّم فقط في مسؤوليَّة الأفراد أو العوائل والمؤسَّسات، ومنها الاقتصاديَّة، بل تضبط أَيضًا مسؤوليَّة الدولة الإِسلاَمِيَّة المعاصرة، والتي من وظائفها السهر عَلَى تطبيق القواعد الفِقْهِيَّة والتأصيليَّة، وكذا الوفاء بمسؤوليَّاتها وفق مبادئ، من حيث ضمان حدِّ الكفاية في إطار التكافل والواجبات العَامَّة، والسهر عَلَى تنظيم الاقتصاد ورعايته، وضبطه بقواعد شَرعِيَّة وعلميَّة وتقنيَّة، وضمان استخلاف الملكيَّة وفق السلامة الشَّرعِيَّة … إلخ.

إِنَّ هَذَا البحث قد تعرَّض لجوانب عديدة من هَذِهِ التَّصَوُّرات، ويتمُّ تعظيم المصلحة من خلال نتائجه لو خضع للتحديث فقها وعلما، ولو أَنَّ المنهج الاستنباطي استكمل بالمنهج الاستقرائي لوقائع البلاد الإِسلاَمِيَّة، وَكَيفِيَّة ضبطها بضوابط الاستخلاف من منظور إسلامي.

د. محَمَّد ناصر ثابت

أصل هذا الكتاب بحث مقدَّم لنيل درجة الماجستير في الفقه بالمعهد الوطني للتعليم العالي للعلوم الإسلاميَّة - باتنة - الجزائر

إشراف الدكتور

محمَّد محدة

نوقش في 7 ذو القعدة 1418هـ / 5 مارس 1998م

مقدِّمة

الحمد لله القائل: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (البقرة: 30)، والقائل أيضا: ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، سبحانه، جعل من خصائص دينه الكامل الهادي، أَنَّهُ عقيدة وشريعة ومنهاج حياة متكامل الأجزاء، متَّصل الحلقات، لا يمكن في ظلِّه فصل العقيدة عن شؤون الحياة الفكريَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وبعد:

إشكالية البحث:

فأثناء دراستي الجامعيَّة للاقتصاد اطَّلعت على آراء وأفكار الغرب وتجاربه في ميدان التنمية والحلول التي وضعها للمشاكل الاقتصاديَّة، وقد كنت أعتقد أنَّ ذلك أنسب السبل لكي تلحق البلدان الإسلاميَّة بركب الحضارة، وتخرج من معضلة التبعيَّة التي ترزح فيها، وتنفض عن نفسها غبار التخلُّف الفكريِّ والمادِّيِّ الذي تعيش فيه.

لكن بعد اطِّلاعي على بعض المراجع في الفكر الإسلاميِّ عامَّة، والفكر الاقتصاديِّ الإسلاميِّ بصفة أخصَّ، تَبَيَّنَ لي أَنِّي على خطأ، فشقاء المسلمين إِنَّمَا يكمن في استيرادهم لأفكار وحلول غيرهم، وأنَّ شفاءهم من جميع أمراضهم إِنَّمَا هو في هدي القرآن الكريم، والسنَّة النبويَّة المطهَّرة؛ لذلك عدت أتمعَّن في قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُومِنِينَ﴾ (الإسراء: 82)، وقد كنت أعطيه المفهوم الضيِّق المتبادر للذهن، لكن بعد التمعُّن اتَّسع مفهومه لديَّ، وتيقَّنت أنَّ ما يعاني منه المسلمون اليوم من أزمات لها حلول في الشريعة الإسلاميَّة.

فالأموال تشكِّل العمود الفقريَّ لحياة الإنسان الماديَّة، كما عبَّر عنها القرآن الكريم، بل هي الدم الذي يمدُّ الحياة لجميع أجزاء الجسم، فإذا توقَّف القلب عن

١ / ٣٥٥