نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٢١١تمهيد:
ينبغي أن يتمَّ البحث في العمارة في الإسلام على ضوء الرسالة العامَّة للإنسان، وهي أَنَّهُ خليفة الله في هذه الأرض، ومن ثَمَّ كان عليه القيام بكُلِّ مهامِّ الخلافة، منها تعمير الأرض، وقد أشرنا في الفصل الأَوَّل إلى علاقة نظريَّة الاستخلاف بالعمارة(1)، أَنَّهَا علاقة ترابطيَّة. فالهدف من الاستخلاف لا يتحقَّق إلاَّ بعمارة الأرض، لذلك تعجب الملائكة لَمَّا أنبأهم الله أَنَّهُ سيجعل في الأرض خليفة هو الإنسان، ظنًّا منهم أَنَّهُ سيفسد ويسفك الدماء بدلا من أن يصلح ويعمِّر.
وَلَمَّا كانت العمارة مرتبطة برسالة الإنسان، فإن مفهومها لا يقتصر على الجانب المادِّيِّ، من توفير الإنتاج وتحقيق الرفاهية، بل ترقى بالإنسان ليكون في مستوى الأمانة التي تحمَّلها.
إِنَّ التنمية والإنتاج أو العمارة بمفهومها الإسلاميِّ حلقة هَامَّة في دورة الاقتصاد، فقد أولى الإسلام لها العناية الكاملة، وأمر بالإنتاج للوفاء بالحاجات العَامَّة والخاصَّة للإنسان، إذ لولاه لَمَا كان هناك تملُّك ولا توزيع ولا تداول، غير أَنَّ هَذَا الإنتاج يجب أن يكون طيِّبًا، ويُكتسب بالطرق المباحة، وينبغي أن يرتبط بغايات وأهداف سامية لا تقتصر عَلَى الجانب المادِّي فقط.
وإذا كانت القدرة والعناية الإلهيَّة قد وهبت للإنسان وسخَّرت له ما في الأرض من خيرات وثروات، فما عليه إلاَّ أن يوظِّف قواه العَقلِيَّة والجسديَّة لاستخراجها وتكييفها وجعلها أكثر ملاءمة للانتفاع بها واستهلاكها.
(1) انظر الفصل الأوَّل، المبحث الخامس من هذه الرسالة، ص 91.