نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠١ج) إنَّ هذه النظريَّة لا تتضمَّن أيَّ ضوابط وقيود للتحكُّم في سلوك المستهلك، بل تترك ذلك لمحض حرِّيَّته واختياره، فالمستهلك الذي يفضِّل كأسا من الخمر على شريحة من اللحم مثلا يقال عنه: إنَّه متوازن، والذي يحرم نفسه من الطيِّبات ويسرف في الملذَّات والشهوات يقال عنه: إنَّه متوازن، وهكذا يصبح مصطلح التوازن خاليًا من أيِّ محتوى موضوعيٍّ، لأَنَّهُ في الواقع لا يميِّز بين الاختلال والتوازن.
د) لو سلَّمنا بالرشد الاقتصاديِّ للمستهلك الذي تفرضه النظريَّة الوضعيَّة، أي أنَّ المستهلك يسلك سلوكا رشيدا في قراراته، إلاَّ أنَّ وسائل الدعاية التي تقوم بها المؤسَّسات الإنتاجيَّة، بمختلف أنواع الإشهار تؤثِّر على سلوك المستهلك، تجعله ينقاد إلى استهلاك سلعة معنيَّة تحت تأثير الإغراء، ولو كانت فيه مضرَّة له، مثل الإشهار لمختلف أنواع السجائر الذي تقوم به أجهزة الإعلام المختلفة، رغم أنَّ مضرَّتها محقَّقة.
إنَّ الإسلام لا يفترض تحقيق التوازن تلقائيًّا، ولا الرشد الاقتصاديّ؛ لأنَّ الناس منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، فقد ألهم الله النفس البشريَّة فجورها وتقواها. لذلك يستخدم الإسلام وسائل فعَّالة من أجل ترشيد سلوك المستهلك، لكي تتحقَّق الوسطيَّة في الإنفاق والاستهلاك ويمنع كلُّ انحراف بالتقتير والإسراف، كما وضع أوَّليَّات الإنفاق ودرجاته.
ووسائل الإسلام في هذا السبيل: إمَّا ذاتيَّة، تنبع من شعور من ضمير المسلم وإيمانه ومراقبته لربِّه، وإمَّا وسائل يستخدمها وليُّ الأمر بتنفيذ التشريعات في هذا المجال، وهي ما ذكرناه في مباحث سابقة من الرسالة.