نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٣٠٨

1) ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة:

إذا كان الإسلام يحثُّ على الاقتصاد في النفقة والوسطيَّة فيها، فَإِنَّهُ يحثُّ على ادِّخار ما يفيض عن الحاجات الأساسيَّة، فالرسول J يقول: «رحم الله امرءًا اكتسب طيِّبا وأنفق قصدا، وقدَّم فضلا ليوم فقره وحاجته»(1)، والمسلم يمرُّ بحالات الرخاء وسعة الرزق، كما يمرُّ بحالات شدَّة وضيق في الرزق، لذلك يجب أن يأخذ من وقت الرخاء لوقت الشدَّة، القول نفسه يقال على الادِّخار على مستوى الأمَّة.

فقد قصَّ لنا القرآن الكريم في سورة يوسف كيف وضع سيِّدنا يوسف خطَّة اقتصاديَّة لمواجهة الأزمة الغذائيَّة بسبب الجفاف الذي تنبَّأ به من خلال تعبيره لرؤيا الملك، فكان من بين الإجراءات التي اتَّخذها: الحدُّ من الاستهلاك، وادِّخار ما فضل عن الحاجة. يقول تعالى: ﴿ثُمَّ يَاتِي مِنم بَعْدِ ذَالِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَاكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾(2). والإحصان هو حفظ الشَّيْء بحرص شديد يكاد يبالغ بصاحبه حرصه على الشرف، وإذا تعلَّق هذا الحرص بالموارد الغذائيَّة فإنَّ الأمر لا يخرج عن مدلول الادِّخار بالتعبير الاقتصاديِّ(3).

2) الادّخار لصالح الأجيال القادمة:

يحثُّ الإسلام على أن يستشعر الوالدان على مستوى الأسرة، ووليُّ الأمر على مستوى الدولة، أنَّ للأجيال القادمة حقًّا في أموالهم، فلا يبذِّروا ولا يسرفوا في استنزاف خيرات الأسرة والأمَّة، وأن يضعوا في حسبانهم الاستثمار والادِّخار لصالح الأجيال اللاحقة، ولقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: ﴿وَالذِينَ جَآءُوا مِنم بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الذِينَ سَبَقُونَا بِالاِيمَانِ﴾(4).

(1) منتخب كنز العمَّال، بهامش مسند الإمام أحمد بن حنبل، مرجع سابق، مج2، ص208.

(2) سورة يوسف، آية 48.

(3) سمير نوفل: مجلَّة الاقتصاد الإسلامي، ع57، سنة 86، 5/ 360.

(4) سورة الحشر، آية 10.

٣٠٨ / ٣٥٥