نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩وقد كان من أسباب عدم تقسيم سيِّدنا عمر بن الخطَّاب لأراضي الفتوحات أَنَّهُ رأى لو قسِّمت لَمَا وجد لمن يأتي من بعد أرضا ولا خراجا(1).
والسنَّة النبويَّة حافلة بالأحاديث التي تؤكِّد ذلك، منها قول الرسول J : « إنَّك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكفَّفون الناس»(2).
وفي ذلك تحسيس للآباء بأن يدَّخروا لأبنائهم من بعدهم، وهكذا تتواصل الأجيال، ويترحَّم بعضهم على بعض. وفي ذلك حثٌّ على عدم الإسراف والتبذير وتبديد الأموال في الحاجات الآنيَّة.
هكذا تتجلَّى لنا صورة الادِّخار في الإسلام على مستويين:
1 - ادِّخار لمواجهة الطوارئ، والتحسُّب لتقلُّبات الدهر.
2 - ادِّخار لصالح الأجيال القادمة على مستوى الأسرة والأمَّة، ولا يتأتَّى ذلك بتكديس الأموال في الخزائن وإنَّما بإنشاء وإقامة المشاريع الاقتصاديَّة التي تدرُّ إيراداتها على الأجيال القادمة.
وإذا كان الادِّخار وعاء الاستثمار ـ كما أشرنا ـ فعلى وليِّ الأمر تشجيع الأفراد عليه، وإبراز فوائده، بفتح صناديق للادِّخار على الطريقة الإسلاميَّة الخالية من الربا. أو القيام بالادِّخار الإجباريِّ باقتطاع جزء من أجور الموظَّفين والعمَّال، واستثماره في المشاريع الإنمائيَّة، ثُمَّ إعادته إليهم في صورة تحويلات المعاش حين بلوغهم سنَّ التقاعد.
ولقد سنَّت النظم الوضعيَّة أنواعا من الادِّخار، فلا بأس للاقتصاد الإسلاميِّ أن يستفيد من هذه الأساليب والنظم المتطوِّرة شرط أن يخلِّصها من شائبة الربا القائمة عليه.
(1) انظر المبحث الرابع من الفصل الثالث من هذه الرسالة، ص205.
(2) أخرجه البخاريُّ، كتاب الوصايا، ج5، ص363، رقم 2742.