نظرية الاستخلاف في الأموال في الاقتصاد الإسلامي (ط جمعية التراث) محمد بن صالح حمدي

نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع

الجزء ١ · صفحة ٦٢

المطلب الثاني: الاستخلاف والتسخير:

التسخير لغة هو القيام بعمل دون مقابل، فيقال: سخَّره تسخيرا: كلَّفه عملا بلا أجر، سِخريًّا وسُخريًّا. وسَخَرَه كلَّفه ما لا يريد وقهره، وكلُّ مقهور مُدبَّر لا يملك لنفسه ما يخلِّص من القهر فذلك مسخَّر(1).

حين أسكن الله الإنسان على هذه الأرض، وجعله خليفته هيَّأ له سبل الانتفاع بها، بما زوَّده من ملكات: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالاَبْصَارَ وَالاَفْئِدَةَ﴾(2). وَلَمَّا كانت الأرض مصدر حياة ومعاش لهذا الإنسان، فإنَّ جميع ما فيها مخلوق مسخَّر له. بالإضافة إلى ما تحيط بها من أفلاك وعوالم تؤدِّي للإنسان خدمات كبرى: ﴿وَهُوَ الذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا … ﴾ الآية(3).

يقول الأستاذ عبد الستار:

«فالله سخَّر للإنسان كلَّ عناصر الثروات الطبيعيَّة من معادن الأرض وكنوزها وذخائر البحر وطبقات الجبال: ﴿وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾(4)، وكذلك سخَّر له خصائصها وقواها الكامنة فيها، فأودع في الزرع قوَّة النماء، وفي الأرض قوَّة النماء، وفي الماء قوَّة الإحياء، وفي الأحياء قوَّة التوالد والتكاثر. حَتَّى الرياح أودع فيها خصائص اقتصاديَّة كتلقيح الزرع. وأودع في الشمس والقمر ما لا يُحصى، كتهيئة الضوء والحرارة اللازمتين لنشوء أصناف الحياة الحيوانية والنباتية»(5). كلُّها تعمل في صمت وتواضع، ومجاَّنا بدون مقابل في خدمة الحياة الإنسانيَّة على هذه الأرض.

(1) ابن منظور، لسان العرب المحيط، مرجع سابق، مج3، ص114.

(2) سورة النحل، آية 78.

(3) سورة النحل، آية 14.

(4) سورة الحديد، آية 25.

(5) عبد الستار فتح الله سعيد: المعاملات في الإسلام، دار الطباعة والنشر الإسلاميَّة - القاهرة، ط2، 1406هـ، ص119.

٦٢ / ٣٥٥