نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٤ويمكننا أن نختصر هذا الغرض في هدفين اثنين هما: عبادة الخالق وعمارة الأرض؛ لأنَّ التثمير هو جزء من العمارة، وثمرة من ثمارها، والعمارة بمفهومها الشامل هو ما يسمَّى بالتنمية في الاصطلاح الاقتصادي، ولنا عودة إلى هذا الموضوع عند البحث في الاستخلاف والعمارة في الفصل الرابع.
والغرض من الاستخلاف توضِّحه آيات من القرآن الكريم.
فآية الأنعام(1) تحصر الغرض والغاية من الاستخلاف في الابتلاء، بعد أن هيَّأ الله أسباب الخلافة. و «ما» الموصولة في الآية عامَّة تشمل جميع النعم التي أنعم بها الخالق، منها: نعمة المال والعلم والعقل، كيف يشكرها الخلق.
كما نلاحظ ارتباط الخلافة بالعبادة من خلال نصَّين من القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾(2). ويقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فيِ الاَرْضِ خَلِيفَةً﴾(3) ففي هذين النصَّين برزت العبادة والخلافة مرتبطتين بالإنسان؛ فالأولى تنصُّ على أنَّ الهدف من خلق الإنسان عبادة الله، والثانية تقرِّر أنَّ الإنسان خليفة الله في الأرض، ومن تزاوج المعنين يتَّضح أنَّ الخلافة التي أرادها الله هي نفسها عبادة الله التي أمرنا بها.
فمركز الإنسان في هذا الكون أَنَّهُ مستخلف من قبل الله تعالى في إقامة العمران على سطح الأرض، فهو يمارس أعمال الخلافة هذه تبعا لإرشاد الله له، إنَّما هو بتعبير آخر يعبد الله.
يقول الأستاذ شوقي دنيا: «إنَّ خلافة الإنسان لله وعبادته له يمثِّلان وجهين لحقيقة واحدة، حيث إنَّ الخلافة إن هي إلاَّ تنفيذ أحكام الله تعالى في شتِّى
(1) ﴿وَهُوَ الذِي جَعَلَكُمْ خَلآَئِفَ الاَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَآ ءَاَتَاكُمُ﴾ (الأنعام/ 165).
(2) سورة الذاربات، آية 56.
(3) سورة البقرة، آية 30.