نظرية الاستخلاف في الأموال لمحمد حمدي - موافق للمطبوع
الجزء ١ · صفحة ٦٥المجالات، والعبادة المذكورة في آية الذاريات(1)، هي طاعة الله التامَّة، وهي أشمل من العبادات ذات التسميَّات المعروفة كالصلاة والزكاة، فمفهومها شامل لكلِّ أعمال الإنسان ونواياه(2).
إذن يمكن القول: إنَّ الخلافة هي العبادة، وهي الغرض الأسمى من الاستخلاف، وازدواج التسمية يؤدِّي أغراضا عديدة، منها اعتبار أنَّ سلوك الإنسان في حياته يعكس مركز الإنسان بين سائر المخلوقات، ويجعل من حياته كلِّها محراب عبادة الخالق.
وفي نهاية هذا المطلب لنا أن نضع التساؤل الآتي: هل الإنسان مجبر على أن يكون خليفة في الأرض؟
نعم، لأنَّ الله عزَّ وجلَّ جعله كذلك خليفة، وهذا هو الابتلاء الذي ابتلى به البشر، غير أنَّ الإنسان مخيَّر أن يكون خليفة لله، فتكون له السيادة في الأرض بتطبيق منهج الله وشرعه، فيحقِّق له الفوز والنجاح في الدنيا والآخرة، أو أن يكون خليفة للهوى والشيطان: ﴿وَمَنَ اَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾(3).
فالناس ـ نتيجة لابتلائهم، ولتوفُّر مقوِّمات الحرِّيَّة والاختيار عندهم يصبحون بالضرورة مستخلفين(4)، ولهم اتِّباع أيِّ السبل التي يختارونها؛ سبل الهداية والرشاد، أو سبل الضلالة والهلاك: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾(5). فالله أناط بالإنسان عمارة الأرض: ﴿الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ، أَيُّكُمُ، أَحْسَنُ عَمَلاً﴾(6)، فقد حدَّد المقصود والغرض لاختبار إرادة البشر.
(1) ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ (الآية 56 من الذاريات).
(2) شوقي دنيا أحمد: الإسلام والتنمية الاقتصاديَّة. دار الفكر العربي - القاهرة، ط1، 1979، ص47.
(3) سورة القصص، آية 50.
(4) أحمد يوسف: القيم الإسلاميَّة، مرجع سابق، ص 41.
(5) سورة البلد، آية 10.
(6) سورة ا لملك، آية 2.