الإيجابية في زمن الفتنة لمصطفى بن دريسو
الجزء ١ · صفحة ١الإيجابية في زمن الفتن
ابن ادريسو مصطفى
إن الله يحب الذابِّين الأُباة، ويمدح الصادقين المدافعين عن أوطانهم من أن تُنتَهك حرماتُها، ويدافعوا ببسالة عن أعراضهم الشريفة أن تُستَلَب كرامتُها، ويقاوموا كل باغٍ معتسِّف، ويردوا كيد كل طائش مُنْكَسِف؛ لأن البغي ممقوتٌ في كلِّ نفْس، مُستبشَعٌ في كلِّ عقل، وفي هذا يقول ربنا وعلا: قُلِ اِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالاِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ، وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ.
والأوطان أسمى من أن تُفسَّر بالتُّراب والطِّين، بل هي حِمى العقيدة والدين، والجوهرِ الثمين من المحارم والمكارم التي جمعها الدين القويم، والوطنُ لحمة للصدق والطهارة، وعهد بالتعاون مع الإخوان في الخير ونشر المودة والمحبة في النفوس، والوطنُ رمز للتضحية بالوقت الثمين والزمن النفيس لأجل تحسين حياة المسلمين للأفضل، وبناءِ صرح قوي متماسك تحقيقًا لوعد الله في أرضه، وتمكينًا لدين الله في النفوس حتى يستخلفكم الله في الأرض فينظر كيف تعملون. والوطن يُلزمك بترك الأنا وحب الذات، ويمقت منك الانفراد بالأمور لوحدك، أو الاستئثار بشخصيتك على حساب الآخرين، وتحقيق مصالحك الخاصة بالركوب على رقاب إخوانك الضعفاء، وليكن وطنُك أخي في الله يجسد قول الله فيك: قُلِ اِنِّيَ أُمِرْتُ أَنَ اَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ، وَأُمِرْتُ لأَنَ اَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ.
إن إيجابية شبابنا في الذوذ عن حمى وطنهم، والإقدامِ على رد العدوان على ممتلكاتهم وأرزاقهم وأرواح ذويهم، تحمِّلنا مسؤولية عظيمة لأجل حفظ دينهم، والاجتهاد مثنى وثلاثى ورباعى لتوفير الجو العلمي الراقي لهم، وإخراجهم من الأزمة منتصرين نفسيا، ناجحين دراسيا، محققين نتائج مرضية تذوي آذان العدو قبل الصديق .. فيا أمة يسجن، أين خبراؤنا؟ ويا أحفاد الشيخ اطفيش، كيف نترك العلم يهان في بلد العلم والعلماء؟ ولماذا لا نهب لتحمل المسؤولية بصدق وتحد؟ باعتبارنا أولياء، ومسؤولين، وأساتذة، ومثقفين، وأرباب أموال، وبذلك نستدرك ما ضاع من الوقت لأبنائنا، ونتخذ تدابير صارمة لإشغال أوقاتهم في العطلة؛ من بداية إشراقة الصباح إلى غياب الشفق الأحمر، والانهماك في التحصيل الدراسي المكثف، ونشر الوعي الثقافي في عقولهم، وكذا تنظيم تعليم موازي لهم بعد العطلة للمراجعة والتقدم في الدروس، فهم يستحقون منا هذا وأكثر، لأنهم برهنوا على تفانيهم في حب وطنهم، وردوا كيد من كبَّله المكرُ والبهتان، وأزال عن عينيه حسن الجوار والعرفان، وارتكس إلى مستنقع الغدر والهوان، فاللهم اكتب شبابنا مع الفتية الذين قلت فيهم: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ -امَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى.