الإيجابية في زمن الفتن مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الإيجابية في زمن الفتنة لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٢

الحمد لله أن كتب الله لنا هدوء الفتنة الهوجاء، وظهرت آثارُ الطمأنينة في النفوس والحمد لله، لا بد أن نلهج بالشكر والثناء للباري -جل وعلا-، ونرفع تحيةً شذيَّةُ، مكرَّرةً معطرة، تحيةَ إجلالٍ واعتزاز، وثناءٍ وفخر بامتياز، إلى شبابنا الأشاوس، ورجال أمتنا المتارس، المرابطين على ثغورنا الأبيَّة، العاشقين للعلا ورحابة الميدان، لكم السلام مطيَّبًا، وتحية زكية لتفانيكم وإخلاصكم … بوركتم، ووُفِّقتُم، وأُجِرتم، إذ سهرتم وابتُليتم، وذُدتُم عن حمى وطننا، وخُضْتُم المكاره في استبسالٍ وإخلاص فأمنت النساء والضعيف وذو الحاجة، ووَجَب علينا لكم الدعاء بفيض الدموع .. وطوبى لكم قول المصطفى الحبيب -عليه الصلاة والسلام-: عيْنانِ لا تمسُّهُمَا النَّار: عينٌ بكَتْ مِنْ خشيةِ الله، وعينٌ باتَتْ تحْرُسُ في سبيلِ الله؛ وهنيئا لكم المجد والمفاخر في قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ.

ورجاؤنا أن يفتح الله على بقية أهل بلدتنا من كل فئاتها، ومسؤوليها، وفي كل أحيائها أن يحيوا شعيرة الحراسة الليلية، ومراقبة أوضاع بلدتهم بنظرة ثاقبة، وصبر جميل، ويقظة مستمرة، ويتخذوها فريضة أسبوعية أو نصف شهرية مع استغلال تلك الأوقات في المذاكرة الإيمانية، وفي قراءة صفحة من كتاب فكري أو تاريخي، عاملين بقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

جديرٌ بنا ونحن نرشف -بحمد الله- من الأمن والسلام … ألا تُزيدنا تلك الزوبعةُ الرّعناءُ إلا صمودًا في الحقِّ، ونُصرةً لقضايا مجتمعنا وأمَّتنا، وسَدادًا في الأمور، وسِدادًا للثغور، وثقةً في وعد الله بالنصر لدينه وأوليائه، وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ.

نحن في أمس الحاجة إلى الإيجابية في القول والفعل في هذه الظروف الحالكة، لأن الشخص الإيجابي هو الفرد: الحي، والمتحرك، والمتفاعل مع الوسط الذي يعيش فيه، بخلاف الإنسان السلبي هو الذي يحمل معاني التقوقع، والانزواء، والبَلادة والانغلاق، والكسل، والاشتغال بمصالحه الخاصة، والدوران حول نفسه وذاته، فالفرق بين السلبي والإيجابي كالفرق بين الليل والنهار، وبين الجماد والكائن الحي، وبين الوجود والعدم، يقول تعالى في سورة النحل: وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ، وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ، هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.

فالله سمى السلبي في هذه الآية "كلَّاً"، والإيجابي بـ "يأمر بالعدل"، و"الكَلّ" معناها الثقيل الكسول، ومن صفاته أيضا أنه "أبكم" لا يتكلم ولا يرتفع له صوت، ولا يقول الحق، ولا يقرأ الحدث بصدق وجرأة، وأما الآخر الذي "يأمر بالعدل" فهو الشخصية المنتجةُ في كافة مجالات الحياة حسب

٢ / ٥