الإيجابية في زمن الفتن مصطفى بن محمد بن صالح ابن ادريسو

الإيجابية في زمن الفتنة لمصطفى بن دريسو

الجزء ١ · صفحة ٣

القدرة والإمكانيات، والمنفتحةُ على الحياة ومع الناس حسب نوعية العلاقات، والممتلكُ للنظرة الثاقبة للأمور والقراءةِ لما بين السطور، والمتحركُ ببصيرة وعدل، والموزان بين الحقوق والواجبات (أي ما له وما عليه)، مع الهمة العالية والتحرك الذاتي، والتفكير الدائم لتطوير الإيجابيات وإزالة السلبيات .. فلا تغريه المظاهر، ولا الشكليات، وإنما ينفذ إلى أعماق الأمور بحثا عن الحلول الجذرية، ومجتنبا الترقيعات الآنية، ورافضا وضع الماكياجات الزائلة للمشاكل الضروسة.

ومن أمثلة الإيجابية في القرآن الكريم قصةُ مؤمن القرية الذي قال الله عز وجل عنه: "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، فلم يمنعه بُعد المكان أن يقصد المدينة لنشر معتقده، فجاء في حالة السعي، ولم يأتِ ماشيا، أو متثاقلا، لأن قلبه يحمل همة عالية، ورغبة أكيدة في الفلاح والنجاح، وطموحا صادقا في نقل ما عنده للآخرين، ونقل ما عند الآخرين إليه وإلى أمته دون كبر وبدون أي عقدة. وهو لم يكتف بوجود ثلاثة رسل يدعون في المدينة، وإنما جاء بنفسه ليدعو ويرغب الناس في اتباع المرسلين، "قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ".

فهذا مثال لمؤمن حمله إيمانُه الحقُ الصادق، على أن يجهر بدعوته صريحةً واضحة، بين الناس، ونادى بملء فيه: "إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ"، ولكن كيف كان مصيره .. قتَلَه قومه، وأنهوا حياتَه، ولما قُتل بشرته الملائكة بالجنة، يقول تعالى: "قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ، فالرجل المخلص مات مقتولا وبعد مقتله وهو في النعيم بقي في قلبه الشعورُ بالرغبة في العطاء، والنصحٍ للآخرين: قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ، فهو لم يشمَت في قومه، ولم يهن خمولهَم وإعراضَهم، وإنما تمنى أن يعلمَ قومُه بعاقبته، لعل ذلك يحملهم على أن يقبلوا نصيحته ويعملوا بمقتضاها.

هناك إيجابيات كثيرة ينبغي أن نتحلى بها، ونصائحُ جمة نستفيدها من المخاض العسير الذي مر بنا في الآونة الأخيرة، وهذه بعضها:

1 - يجب أن ننتهج أسلوب العمل الجماعي للنهوض بأمتنا، ونفكر في حلول جماعية للمشاكل الطارئة اقتصاديةً كانت، أم إعلاميةً، أم تربويةً، وعلينا أن نستفيق جميعا للبناء الحضاري، ونرتقي بأعمالنا إلى مصاف الاحترافية والتقنين المنضبط، فلا مجال بعد اليوم للفردانية في الرأي، ولا للعشوائية في الأعمال، ولا لارتجال في المواقف، فالزمن لا يرحم، وربنا لا يرضى بذلنا، وأمتُنا ستحاسبنا إن أخفقنا أو غطينا عجزنا بتصريحات لا تسمن ولا تغني من جوع، فاللهم نصرك وعفوك ياذا الجلال والإكرام.

2 - يجب أن نعمل متلاحمين غير منتهجين للإقصاء والانتقاء بذرائع واهية، وأسباب مِزاجية، أو لصعوبة التألقم مع البعض دون الآخر، ذلك لأن الإقصاء في الغالب نابع من قلة اليقين بالله، ومن الاستئثار بالرأي الأحادي على حساب ما أنعم الله على خلقه من النعم الفكرية والآراء السديدة، وقد

٣ / ٥