المعصية وأثرها الأخروي على عمل الموحّد من خلال آثار الإمام السالمي مامة بنت قاسم بهدّي

المعصية

الجزء ١ · صفحة ١٥

ولم يكن همُّ الإمام منحصرًا في التأليف والتدريس فقط، بل تعدَّى ذلك إلى مشاركته السياسيَّة والاجتماعيَّة، لإصلاح أحوال أمَّته ورفع مستواها الفكريِّ والدينيِّ، حتَّى تدفع الضرَّ عن نفسها وتحقِّق المنفعة. ومن ذلك سعيه إلى توحيد الأمَّة تحت إمام واحد يرجع إليه المسلمون، فكان يقوم بمراسلات ومقابلات مع أعيان البلدة وأمراء البلاد، يبيِّن لهم هدفه المنشود في الإصلاح، وكانت الاستجابة منهم ضعيفة في بادئ الأمر، ومن ثَمَّ بدأ يكتب قصائد يوقد بها همم الناس، ويستنهضهم ويلفت نظرهم إلى ما فيه صلاح الدين والدنيا، بخطابات مؤثِّرة بليغة، يخاطب فيها كلَّ طبقات المجتمع، فلم تكن دعوته مقصورة على فئة دون أخرى، كان يخاطب السلطان، ويحثُّه على إقامة العدل، وجمع الشمل تحت راية واحدة، ويشيد بأمجاد أسلافه، ويحثه على مشاورة أهل العلم والدين.

وبعد جهود مضنية، ومشاقّ صعبة، وصبر طويل، أتى نصر الله باستجابة الناس له، من علماء وغيرهم، ولبَّوا النداء باختيار زعيم بايعوه إماما لهم، وفرحت الأمَّة العمانيَّة بهذا النصر العظيم، وما إن سمعت المدن المجاورة بالخبر حتَّى هبَّت ملبِّية ومعلنة المبايعة، وبعون الله وتوفيق منه تحقَّق للسالمي مراده بعد جهد جهيد(1)؛ فاسمعه يقول: «خشيت معالجة الموت قبل اجتماع العمانيِّين على إمام يجمع شملهم، ويقيم العدل، فلمَّا تمَّ ذلك خشيت معالجة الموت قبل أن يكون لهم مأوى يرجعون إليه، ومركز يأوون إليه، ثمَّ خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يصلِّي الجمعة بالمسلمين، ثمَّ خشيت أن أموت قبل أن أرى الإمام يقيم حدًّا من الحدود الواجبة، أمَّا الآن فقد كان ذلك كلُّه فالحمد لله على تمام النعمة»(2).

(1) ينظر: الهاشمي، الإمام نور الدين السالمي وآراؤه في الإلهيات، ص68 - 79.

(2) الهاشمي، المرجع نفسه، ص80. نقلا من نهضة الأعيان، للشيخ محمد السالمي، ص133.

١٥ / ٩٢