المعصية
الجزء ١ · صفحة ٣٦وهذا ليس غريبا فقد وقع في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة بدل أن يقول: «اللهمَّ أدخلني الجنَّة»، قال: «اللهمَّ أدخلني النار»، فاشتدَّ ذلك عليه حتَّى قال له الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا بأس، لك ما نويت»(1). فقد يقع الإنسان في حالات مثل هذه ويسقط في محجور خطأً، مثل ذلك الشخص الذي أراد أن يضرب طيرا فأصابت الضربة إنسانا، فهل يكون عاصيا آثما بذلك؟ ويلزمه ما يلزم العاصي المتعمِّد من التوبة؟
إن الخطأ الذي قد يصدر من المرء نوعان، بينهما الإمام فيما يأتي:
1) خطأ غير محاكم فيه، لكونه بينه وبين نفسه، مثل الحديث المذكور أعلاه.
2) خطأ محاكَم فيه، كأن يقصد إلى تجديد كلمة التوحيد فيخطئ منها إلى كلمة الشرك، أو يقصد أن يقول لزوجته: أنت بارَّة فيخطئ إلى قوله: أنت طالق … الخ.
ففي كلتا الحالتين المرء غير مؤاخذ بينه وبين الله، ولا يكون بذلك آثما، ولا تلزمه التوبة من ذلك؛ بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله تعالى تجاوز لي عن أمَّتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»(2)، إلاَّ أنَّ النوع الثاني الذي يكون المرء فيه محاكما فإن ألزمه الإمام(3) حُكْمًا فعليه الانقياد(4). وهذا ما أشار إليه الناظم بقوله:
ورفع الإثم لدى الخطا ومن ألزمه الظاهر حكما يسلِّمَنْ(5)
(1) لم نعثر على هذا الحديث في المصادر التي بين أيدينا.
(2) الربيع، الجامع الصحيح، باب الحجَّة على من لا يرى الصلاة على موتى أهل القبلة، رقم: 794، ج3، ص206. بلفظ قريب.
(3) المقصود بالإمام هنا حاكم المسلمين.
(4) ينظر: السالمي، بهجة الأنوار، ص168 - 169.
(5) السالمي، بهجة الأنوار، ص19.