المعصية
الجزء ١ · صفحة ٨١وردَّ عليهم: إنَّ هذا خلاف الظاهر من غير دليل، وإن لزم ذلك فحتَّى المشرك لا يخلَّد، لأنَّ التخليد يشمله أيضا. ولا يقال: إنَّ القرآن استعمل اللفظة في معنييها: الحقيقيِّ والمجازيِّ؛ فيكون الخلود على التأبيد للمشرك، وعلى طول المكث للقاتل والزاني؛ لأنَّه لا يمكن استعمال اللفظة في معنييها المذكورين مع إرادتهما معا في نفس السياق، وإن جاز ذلك فلا يكون ذلك الجواز لغويًّا، والله تعالى خاطبنا بلغتنا. ولو سلَّمنا أنَّه لغويٌّ لقلنا: إنَّه مجاز محتاج إلى قرينة ولا قرينة. ولو قيل: إنَّ القرينة في حقِّ المشركين هي قوله تعالى: ژ? ? … ? ? ? ? ? … ? ? ? ?ژ (الجن: 23)، فالجواب: إنَّ هذه الآية عامَّة لكلِّ المعاصي، ولا تخص المشرك دون غيره(1).
فهذه الآية وما سبق ذكره من الأدلَّة في القطع بتعذيب أهل الكبائر، لم تدلَّ على تعذيبهم فقط، بل على التخليد في النار كذلك، وما يعضدها من نصوص السنَّة الدالَّة على ذلك أيضا، وقد تلقَّتها الأمَّة بالقبول، كقوله صلى الله عليه وسلم: «من قتل نفسه بحديدة … »(2)، وحديث: « … لا يجد ريح الجنَّة … »(3) ونحوهما، لكنَّهم تأوَّلوها بمن فعل ذلك مستحلاًّ؛ فيكون مشركا باستحلاله ما حرَّم الله. لكنَّ الإمام ردَّ عليهم بأنَّ هذا التأويل صارف لتلك الأحاديث عن نصوصها وزائد فيها ما لم يكن منها. وأشار إلى الأحاديث التي بنوا عليها حكمهم، وعلَّق عليها دون ذكر نصوصها، قال: إنَّ خبر الخروج من النار إنَّما هو خبر آحاد يعارض القطعيَّات، ولا يثبت به العلم في الأمور الاعتقاديَّة(4)؛ ولهذا قال:
(1) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص145 - 147.
(2) مسلم، الإيمان، باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه، رقم: 109، مج1، ص359.
(3) البخاري، الجنائز، باب ما جاء في قاتل النفس، رقم: 1364، ج1، ص 405. بلفظ قريب.
(4) ينظر: السالمي، المشارق، ج2، ص147.