الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٣٧٥

القواعد} (1) أفتقولون: إنه ظهر لهم من تحت الأرض؟ وقال: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ (2) أفتقولون ذهب به من الأرض إلى السماء، أو ما تقولون في أمثال هذا من أخبار الله تعالى عن نفسه بالإتيان والذهاب، وهو كثير؟ فإن قلتم: إنما جاءهم الكتاب من عند الله ولم يأتهم الله بنفسه، وقلتم: إن معنى قوله: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ (3) أي: أبطل مكرهم بالنبيّ -صلَّى الله عليه وسلَّم- وكيدهم له، ﴿ذهب الله بنورهم﴾ (4) أي أذهب نورهم، قلنا لهم: قد صرتم إلى المجازات وتركتم قطع الشهادات، فكذلك قولنا في قوله: ﴿وجاء ربك والملك صفاً صفاً﴾ (5) أي جاء أمره وثوابه وعقابه (6) ، وقد يقول الرجل: لعبده لا جاء الله بك ولا ذهب بك، وليس يريد أن لله في نفسه ذهاباً ومجيئاً، فعلى هذا المعنى قال الله: ﴿وقال ربك﴾ وقد نقول: الآخرة آتية وجائية، والدنيا ذاهبة وفانية وماضية، وإنما نعني أنها فانية، ليس أنها تخرج من مكان إلى مكان، وكذلك إذا قلنا: الآخرة جائية، وليس نريد أنها تخرج من مكان إلى مكان، وقد قال: ﴿وجيء يومئذ بجهنم﴾ (7) ليس يريد أن جهنم تحمل وترفع من مكان إلى مكان، وإنما يريد أنها حاضرة

(1) سورة النحل آية رقم 26.

(2) سورة البقرة آية رقم 17.

(3) سورة النحل آية رقم 26.

(4) سورة البقرة آية رقم 17، قد جاءت في المطبوعة محرفة؛ حيث قال: "وذهب" بزيادة (الواو).

(5) سورة الفجر آية رقم 23.

(6) ساق الفخر الرازي في هذا المعنى فصلاً مشبعاً في قوله تعالى: ﴿يأتيهم الله﴾، وقوله: ﴿وجاء ربك﴾ أخبار عن حال القيامة، ثم ذكر هذه الواقعة بعينها في سورة النحل فقال: هل ينظرون إلاَّ أن تأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك. فصار هذا الحكم مفسراً لذلك المتشابه؛ لأن كل هذه الآيات لما وردت في واقعة واحدة لم يبعد حمل بعضها على بعض، وقال تعالى: ﴿وقضى الأمر﴾ ولا شك أن الألف واللام للمعهود السابق، فلا بد وأن يكون قد جرى ذكر أمر قبل ذلك حتى تكون الألف واللام إشارة إليه، وما ذاك إلاَّ الذي أضمرناه من أن قوله: ﴿يأتيهم الله﴾ أي يأتيهم أمر الله.

(7) سورة الفجر آية رقم 23.

١٢٢ / ٤٦٠