الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٦٧لقد تكلم قوم من أهل التوحيد في هذا الباب بكلام قريب من هذا المعنى فقالوا: لا يخلو الاثنان من وجهين: إما أن يكونا متفقين أو مختلفين، فإن يكونا متفقين؛ فهو الذي قلنا من إثبات الواحد، وإن كانا مختلفين؛ فالمخالف منهما لصفة الربوبية غير مستحق لأن يحدث شيئاً، وثبت أنَّ إحداث الأشياء لواحد قديم ذلك الله ربّ العالمين.
وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين (1) ، أو أكثر من الاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون قادراً على صاحبه، أو غير قادر عليه، فإن كان كل واحد منهما قادراً على صاحبه، فهذا معنى الواحد، وإن كان كل واحد منهما غير قادر على صاحبه كانا موصوفين بالعجز، فكيف يكون العاجز مستحقاً لإحداث شيء من الأشياء؟ وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون يقدر على أن يفني صاحبه، فهذا هو الوصف بالواحد، وليس لذكر الاثنين مع هذه الصفة وجه، أو يكون كل واحد منهما لا يقدر على أن يفني صاحبه، فيكونا جميعاً قد دخلا في باب العجز؛ فالداخل في باب العجز غير مستحق أن يحدث شيئاً.
وقالوا أيضاً في فساد القول بالاثنين: لا يخلو كل واحد منهما من أن يكون يخفي عن صاحبه أمراً، أو لا يخفيه، فإن كان كل واحد منهما يخفي عن صاحبه أمراً ويستره دونه، فقد دارت القصة من حيث ما دارت إلى أن يكون الاثنان
(1) - وقال الله تعالى: ﴿لا تتخذوا إلهين اثنين، إنما هو إله واحد فإياي فارهبون﴾ (سورة النحل:51)، لقد أمر الله ألا يتخذ إلهين اثنين، إنما هو إله واحد لا ثاني له، وهو كذلك مالك واحد ﴿وله ما في السماوات والأرض﴾ (سورة النحل:52)، (وله الدين واصباً) (سورة النحل:52)، أي واصلاً منذ ما وجد الدين، فلا دين إلاَّ دينه، ومنعم واحد ﴿وما بكم من نعمة فمن الله﴾ (سورة النحل:53).
وهكذا ينفرد سبحانه وتعالى بالألوهية، والملك، والدين، والنعمة والتوجه.