الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٢٦٨

الموصوفان بصفة واحدة في معنى الواحد، وبطل ذكر الاثنين واللفظ بهما، أو يكون كل واحد منهما لا يخفي دونه صاحبه أمراً، كانا جميعاً موصوفين بالجهل والعجز، وفي صفة إياهما بذلك ما يخرجهما من حد إحداث الأشياء، والتدبير لها، فلما ثبت القول بما قلنا من هذا، وفسد القول بغير ذلك مما رسمناه في كلامنا هذا صح أنَّ محدث الأشياء واحد لا اثنان، ولا أكثر من ذلك، وربنا محمود.

دفع التشبيه (1)

فإن قال: وما يدريكم بأنَّ محدث هذه الأشياء غير مشبه لها؟ لعله مشبه لهذه الأشياء أو مشبه لبعضها، قيل له: لا يخلو المحدث للأشياء من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أن يكون مشبهاً لها أو غير مشبه لها، وبطل القول بأنه يشبهها من قبل أنَّه لو أشبهها للزمه من الحدوث ما لزمها، ونحن قد دللنا فيما قبل على حدوثها، ولو لزمه من الحدوث ما لزمها لكان هو أيضاً محتاجاً إلى محدث ثان يحدثه، ولكان ذلك المحدث الثاني محتاجاً هو أيضاً إلى محدث ثالث، والقول في الثالث كالقول في الثاني، والقول في الرابع كالقول في الثالث، فيكون الأمر متسلسلاً إلى ما لا نهاية له من الفساد، فلما فسد القول بهذا ثبت أنَّ محدث الأشياء غير مشبه لها، ولا مشبه لبعضها في وجه من وجوه الإشباه؛ وذلك أن هذه الأشياء دالة بجميع وجوهها على عجزها وحاجتها وحدوثها، فلو

(1) - نشأ مبدأ التشبيه من مذاهب الحلولية والتناسخية، ومن مذاهب اليهود والنصارى، فقد شبهت اليهود الخالق بالخلق، وشبهت النصارى الخالق بالخلق، وسرت هذه الشبهات في أذهان الغلاة.

وقد اعتمد الغلاة التشبيه لهدم مبدأ الألوهية؛ لأنَّ التشبيه يجعل المشبه والمشبه به على مستوى واحد، وعلى مستويات متقاربة، ونتسائل: كيف يتصور الشبه بين القديم والمحدث؟ ومن زعم أنَّ الباري سبحانه في مكان، أو على مكان، أو متصل بمكان، أو يتصور على الضمير أو يتخايل في الأوهام، أو يدخل تحت الصفة أو النعت فقد أشرك. راجع الغلو والفرق الغالية ص146.

١٥ / ٤٦٠