الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٣٩٤لا تقل والله حيث كان فإنَّ الله بكل مكان، قال: وجاء رجل إلى ابن مسعود (1) فقال: إني رأيت رجلاً يصلي عند كل إسطوانة ركعتين، فقال ابن مسعود: لو علم المصلّي أنّ الله عند أدنى إسطوانة منها ما جاوزها إلى غيرها، وقد جاء الحديث المشهور: "إنَّ أربعة أملاك التقوا: واحد من السماء السابعة، وآخر من الأرض السابعة، وآخر من المشرق، وآخر من المغرب، فتساءلوا فيما بينهم فقال كل واحد منهم: جئت من عند ربي" (2) ، وتأويل ذلك كله: إنَّ الله في جميع الأشياء كائن وفي كل الخلق موجود، على معنى الأحداث والإنشاء والزيادة فيها، والنقصان منها، والإحاطة والحفظ لها، وقد يقولون: أمير المؤمنين في المظالم، والناس في الصلاة، لا يريدون أنَّ ذلك يكون لهم وعاء ومكاناً، فإن سألوا عن قول موسى عليه السلام: ﴿رب أرني أنظر إليك﴾ (3) فإنا نروي عن عبد الله بن عباس _وهو ترجمان الكتاب_ أنَّه قال ذلك على وجه الأعذار إلى قومه، ليريهم الله آية من آياته، فيئسوا من رؤية الله، جبير عن الضحاك في قوله: ﴿تبت إليك﴾ (4) أي من
(1) هو عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي أبو عبد الرحمن، صحابي من أكابرهم فضلاً وعقلاً وقرباً من رسول الله _صلَّى الله عليه وسلَّم_، وهو من أهل مكة، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بقراءة القرآن بمكة، وكان خادم رسول الله الأمين وصاحب سره، نظر إليه عمر يوماً وقال: وعاء ملئ علماً، ولي بيت مال الكوفة بعد وفاة الرسول _صلَّى الله عليه وسلَّم_ ثم قدم المدينة في خلافة عثمان فتوفي بها عن نحو ستين عاماً، وكان ذلك عام 32هـ، له 848 حديثاً، وأورد الجاحظ في البيان والتبيين خطبة له ومختارات من كلامه.
(2) سورة الأعراف آية رقم 143.
(3) سورة الأعراف آية رقم 143.
وفي رواية الحسن عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ انقطاع، ولا ثبت سماعه من أبي هريرة، وروي من وجه آخر منقطع عن أبي ذر _رضي الله عنه_.
(4) جاء في لسان العرب: أبصر فلان نظر ببصره فرأى، وأبصر الشيء رآه، وجاء عند محمد الحفيش: والبصر الأسود الذي وسط العين، وبه يكون الإبصار، أو القوة المودعة في ذلك الأسود، أو في العصبتين المؤديتين إليه، وقد يطلق على العين لأنها المؤدية إليه (تيسير التفسير 2: 373)، وجاء عند محمد عبده: وأبصرت الشيء رأيته، وقيل البصر حاسة الرؤية. ابن سيده: البصر حسن العين، والجمع أبصار، ذكره في اللسان. وقال الراغب: يقال للجارحة الناظرة نحو قوله تعالى: ﴿كلمح البصر﴾ (النحل: 77)، وقوله: ﴿وإذ زاغت الأبصار﴾ (الأحزاب: 10) وللقوة التي فيها. راجع تفسير المنار ط/دار المنار 7: 651.