الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٢٦٩

كان الذي أحدثها مشبهاً لها، أو مشبهاً لشيء منها بوجه من هذه الوجوه للزمه مما ذكرنا ما لزم ذلك الشيء، يتعالى عن ذلك رب العالمين.

انتهى الكلام في حدوث الأشياء، والدلالة على بطلان قدمها، وإثبات المحدث أنَّه واحد، وأنَّه غير مشبه للأشياء، بما هو مقنع إن شاء الله، والله وليَّ التوفيق.

النقض على الدهرية (1) :

ونحن الآن مبتدئون سؤالنا عن أهل الدهر، وناقضون عليهم في كل ما ذهبوا إليه، ولا قوة إلاَّ بالله.

اعلم _أيدك_ الله أنَّ الدهرية جميعاً متفقون على قدم العالم، وإبطال حدوثه، واختلافهم بعد ذلك في وجوه تصرف العالم في ذاته على ما سنذكره إن شاء الله.

يقال لهم جميعاً: ما الذي دعاكم إلى القول بقدم العالم؟ قالوا: لأنا وجدناه من حين ما وجدناه هكذا، متصلاً بعضه ببعض، ليس لاتصاله أول، فقضينا بما شاهدنا من ذلك على ما كان قبله مما لم نشاهده، لصحة الاستدلال بالشاهد على الغائب، وبالبعض على الكل، ويقال لهم: أو قد شاهدتم هذا العالم أو شيئاً منه، قديماً لم يحدث؟ فإن قالوا: نعم بان كذبهم؛ لأنهم

(1) - الدهرية: هم فرقة خالفت ملة الإسلام، وادعت قدم الدهر، وأسندت الحوادث إليه، كما حدَّ القرآن الكريم عنهم ﴿وقالوا ما هي إلاَّ حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلاَ الدهر﴾ (سورة الجاثية:24). وذهبوا أيضاً إلى ترك العبادات لزعمهم أنها لا تفيد.

والدهر بما يقتضيه مجبول من حيث الفطرة على ما هو عليه، فما ثمَّ إلاَّ أرحام تدفع، وأرض تبلع، وسماء تقلع، وسحاب يقشع، وهواء يقمع، ويسمون بالملاحدة. ويمكن رد أصل الدهرية إلى مدارس الفلسفة الإغريقية. ويفرق الإمام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال" بين الدهرية والطبيعيين.

وتقول دائرة المعارف الإسلامية: تقدم علماء المشرق تقدماً كبيراً نحو الدهرية عندما تغلغل بينهم العلم الطبيعي الأوروبي كمذهب "داروين" ومذهب المادية، وغير ذلك، وقد رد على الدهرية (جمال الدين الأفغاني) في رسالته بعنوان (رسالة في إبطال مذهب الدهريين)، ويتضح من ذلك إذن أنَّ المادية مرادفة للدهرية، ويجيز فقهاء اللغة أيضاً النطق بكلمة (الدهرية) بضم الدال عملاً بقاعدة تغير الحركة، وهو أمر مألوف في النسبة.

راجع:

1ـ دائرة المعارف للبستاني ـ مجلد 8، مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.

2ـ مفاتيح العلوم ـ لطاش كبرى زادة، ط فان فلتن، ص 35.

3ـ الملل والنحل ـ للشهرستاني.

4ـ الحيوان للجاحظ ج2 ص50.

5ـ دائرة المعارف الإسلامية بتصرف ج9 ص338، 339، 340.

١٦ / ٤٦٠