الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤٠٤وإلاّ فليوجدونا جسماً يخترع سماء وأرضاً، ويعلم السر والضمير، وما يكون قبل أن يكون، فإن زعموا أنهم يعقلون ذلك ويتوهمونه صاروا إلى التحكم، وخرجوا من التصادق، وليس مع المباهتة (1) محاجة، ولا مع المجاحدة مناظرة (2) ، وإن زعموا أنهم لا يعقلون ذلك ولا يتوهمونه، قلنا فقد أقررتم بما لا تعقلون، ومَن جعل بعض ما لا يعقل حقاً، وبعضه باطلاً؟ وما تنكرون أن لا يكون الله جسماً إذ كان فعالاً للأجسام، وإذ كان يعلم ما يكون قبل أن يكون، كما لم تعقلوا جسماً غيره يخترع الأجسام، ويعلم ما يكون قبل أن يكون، إذ كنتم إنما بنيتم أصلكم على ما تعقلون، ويقال لهم: فإذا كنتم لا تبنون إلاّ على ما تعقلون ولا تقضون إلاّ بما تجدون، فأين وجدتم جسما ليس بذي لون، ولا طعم، ولا ريح، ولا لمس، ولا يشم، ولا يذاق، ولا هو خفيف ولا ثقيل، ولا حار ولا بارد، ولا فاتر ولا خشن، ولا لين ولا رقيق، ولا كثيف ولا صلب ولا رخو، ولا حسن ولا قبيح، ولا صبيح ولا مليح، ولا يمنع الأبصار، ولا تحله الألوان؟ فقد أخرجتموه من المعقول، وللخروج من المعقول
(1) المباهتة: يقال بهته أخذه بغتة، وبابه قطع، ومنه قوله تعالى: ﴿بل تأتيهم بغتة فتبهتهم﴾ سورة الأنبياء آية 40، وبهته أيضاً: قال عليه ما لم يفعله، فهو مبهوت، وبابه قطع، وقال تعالى: ﴿فبهت الذي كفر﴾ سورة البقرة آية 258، أي دهش وتحيّر، وقال تعالى: ﴿هذا بهتان عظيم﴾ سورة النور آية 16، أي كذب، وقال تعالى: ﴿يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن﴾ سورة الممتحنة آية 12، كناية عن الزنا، وقيل: بل ذلك لكل فعل شنيع يتعاطينه باليد والرجل.
(2) المناظرة: هي النظر بالبصيرة من الجانبين في النسبة بين الشيئين إظهاراً للصواب، وقد يكون مع نفسه.
والمجادلة: هي المنازعة في المسألة العلمية لإلزام الخصم، سواء أكان كلامه في نفسه فاسداً أو لا، وإذا علم بفساد كلامه وكلام صاحبه فنازعه فهي المعاندة.
وأما المغالطة: فهو قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، ويسمى سفسطة أو شبيهة بالمقدمات المشهورة، ويسمى مشاغبة.
وأما المناقضة المصطلح عليها في علم الجدل: فهي تعليق أمر على مستحيل، إشارة إلى استحالة وقوعه، كقوله تعالى: (ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط) سورة الأعراف آية 40.