الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٧٠لم يكونوا قدماء فيكونوا مشاهدين لقدم ما ادعوا قدمه من ذلك، مع أنَّه لو شوهد ذلك بالعيان كما قالوا لما اختلف فيه اثنان، فإن رجعوا وقالوا: لما شاهدناه متصلاً لا غاية لاتصاله، قضينا بذلك على أنَّ لا غاية له. قيل لهم: وما في اتّصال بعضه ببعض ما يفسد حدوثه، ونحن إنما سألناكم عن الدليل (1) فجعلتم دعواكم دليلكم، بل لو رجعتم إلى ما شاهدتم من ذلك لعلمتم أنَّ هذا العالم غير قديم، ولقضيتم عليه بالحدوث؛ لأنكم لم تزالوا من حين ما شاهدتموه ترون فيه جائياً حادثاً، وذاهباً فانياً، وهل نفس الحدوث إلاَّ وجود الشيء بعد عدمه؟ أو هل نفس الفناء إلاَّ بطلان الشيء بعد وجوده؟ فإن قالوا: إنَّه يستحيل في أوهامنا أن يحدث شيء من غير شيء، قيل لهم: وكيف يستحيل في أوهامكم أن يحدث شيء لا من شيء، ولم يستحل أن يوجد شيء لم يكن قبل وجوده؟ أم كيف يستحل ما ذكرتم من حدوث شيء من غير شيء، ولا يستحيل فناؤه إلى غير شيء؟ فلما أن وجدنا شيئاً أو أشياء تفنى إلى غير شيء، ولو لم يتصور ذلك في أوهامنا علمنا أنَّها تحدث من غير شيء، ولو لم يتصور حدوثها
(1) - الدليل: المرشد إلى المطلوب يذكر ويراد به الدال، ثمّ اسم الدليل يقع على كل ما يعرف به المدلول، حسياً كان أو شرعياً أو قطعياً، حتى سمي الحس، والعقل، والنص، والقياس، وخبر الواحد، وظواهر النصوص كلها أدلة.
والدليل عند الأصولي: هو ما يمكن التوصل به بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
ودلائل الشرع خمسة: الكتاب، والسنة، والإجماع، والقياس. والعقليات المحضة كالتلازم والتفاني والدوران، والثلاثة الأول نقلية، والباقيان عقليان.
ولا يخلو الدليل من أن يكون على طريق الانتقال من الكلي إلى الكلي، فيسمى برهاناً، أو من الكلي إلى البعض فيسمى استقراءً، أو من البعض إلى البعض فيسمى تمثيلاً. راجع التعريفات للجرجاني ص93.