الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤١٣سريره لحقوا بإخوانهم من أهل التشبيه المحض، القائلين بالتجسيم على حقيقته، فكان النقض عليهم كهو على إخوانهم المتقدمين، وإن قالوا: إن الاستواء على غير سبيل الحلول والتمكن والملازقة، قلنا: فعلى ماذا إذاً؟ قالوا: إنّا لا نعدو ما قال الله عزّ وجلّ، ولا نجاوزه إلى ما سواه، ولا نقول على المعقول من المحلول (1) والتمكن، وغير ذلك، قلنا: بل قد جاوزتم ما قال الله عزّ وجلّ من ذلك؛ إذ زعمتم أنكم لا تقولون في الاستواء على ما قال الله عزّ وجلّ، من معنى الاستيلاء والحفظ والقدرة، مما دلّ عليه نص القرآن، والحديث عن رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وعن أصحابه، وأيمة المسلمين بعدهم، من الذين ذكرنا وبيّنا، فإن قالوا: لا نقول في الاستواء بمعنى الاستيلاء والحفظ والقدرة والملك، ولا بمعنى الاستقرار والحلول والتمكن، ولكنّا نقول: إن الله عزّ وجلّ فعل في العرش فعلاً يسمى به مستوياً، ولا نصف ذلك، ولا نحده، قلنا: فإنا لا نجد للاستواء في لغة العرب معنى إلاَّ ما ذكرنا وبينّا من الاستيلاء والحفظ والملك والقدرة، أو على معنى ما يعقل من الحلول والتمكن، فعلى أي هذين الأمرين تعزمون من قولكم؟ وعلى أيهما تعتمدون؟ ونحن لا ندعكم حتى تخرجوا بنا إلى أحد
(1) الحلول: اصطلاح فلسفي من حلّ، ومن استعمالاته القديمة في علم الكلام في الإسلام: علاقة بين جسم ومكانه، أو عرض وذاته، ويستعمل الحلول أيضاً للدلالة على الاتحاد الجوهري بين الروح والبدن أو الجسم، أو بين العقل الفعّال والإنسان. (الفارابي: آراء أهل المدينة الفاضلة)، وكذلك يستعمل الحلول للدلالة على حلول اللاهوت في الناسوت (عند النصارى). على أن جميع المتكلمين المسلمين رفضوا هذه النظرية، وإن كان بعضهم يقره في حلول الملاك أو الجن في جسم الإنسان، وينكرونه على معنى حلول الذات الإلهية في جسم الإنسان، أي التجسيد، أو انتقالها من جسم إلى آخر بالتناسخ.
ومن الذين قالوا بالحلول غلاة الشيعة: السبئية، والبيانة، والجناحية، والخطابية، والنجدية (النصيرية) والمقنعية، والرزامية، والباطنية، والعزاقرة، والدروز، والشباسية، وأنصار وحدة الوجود الاتحادية. راجع منتهى المدارك، طبعة القاهرة: 1293هـ، جـ 2 ص 84 ـ 86، وانظر مادة (ابن العربي) والسلمي: غلطات الصوفية، والهجويري كشف المحجوب ص 260 ـ 264، والغزالي: المقصد الأسنى: القاهرة 1324هـ، التهانوي: كشاف اصطلاحات الفنون.