الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٤٢٩القول في صفات الله سبحانه وتعالى:
فمن سألنا عن الله جلّ جلاله، فقال: هل تصفون ربكم أم لا تصفونه بصفة؟ قلنا: نعم، إنا نصف الله جلّ جلاله بصفاته الحسنى التي لا تليق إلاَّ به، وننفي عنه صفات المحدثين؛ وذلك إنا نصفه بالقدم (1) ، إذ لا بدء لوجوده تعالى، وننفي عنه الحدوث لما ثبت من حاجة المحدث إلى محدث يحدثه، وقد بينا فساد تسلل ذلك إلى مالا غاية له من الفساد في أول كتابنا، فوجب بذلك أنَّه قديم لا أول لوجوده، ونصفه بأنَّه باق لا يفنى، لاستحالة الفناء على ما يستحيل عليه الحدوث، لأنَّه لما كان سبحانه وتعالى موجوداً لا بعد عدم بطل عنه أن يكون معدوماً بعد وجود، ونصفه بأنَّه حي عليم حكيم قدير مريد، سميع بصير، لاستحالة وجود الأفعال من الأموات، وبطلان وقوعها من الجاهلين العاجزين، يتعالى ربنا عن صفات النقص علواً كبيراً، فإن قال: أخبروني عن هذه الأشياء التي وصفتموه بها من الحياة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، والعزة، والسمع، والبصر، أهو شيء لم يزل به أم هو شيء استحدثه لنفسه؟ أم كيف القصة في ذلك؟ قلنا: إنَّ الله تعالى لم يزل موصوفاً بما ذكرنا: من الحياة، والعلم، والحكمة، والقدرة، والإرادة، والعزة، والسمع، والبصر، في سائر تلك الصفات، ولا يزال موصوفاً بها، من قبل أنَّه لا تعدو تلك الصفات إذا
(1) بقي: دام وثبت، والبقاء: هو استمرار الوجود في المستقبل إلى غير نهاية، فمن قال: إنَّ الشيء باق لذاته جعل البقاء نفس الوجود في الزمان الثاني، لا أمراً زائداً عليه، ومن قال إن البقاء صفة زائدة على الوجود جعل البقاء متجدداً، بمعنى أنَّ وجود الشيء في الزمان الأول لا يستلزم وجوده في الزمان الثاني بالضرورة. والباقي بنفسه ولذاته عند الفلاسفة هو الله تعالى، وما عداه باق بغيره، وعند ((ديكارات)) هو الإبداع المتصل الدائم، بل الله عنده هو المبدع والمبقي، ولا بقاء للعالم إلاَّ لأنَّ الله يديم وجوده. راجع تفسير ما بعد الطبيعة 3: 1631، والمعجم الفلسفي 1: 216.