الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٨أمّا بعد _على أثر ذلك أيّدك الله_ فإنَّي لمّا تخلصت من أمثال ما ندبتني إليه من الكلام في باب التوحيد، والردّ على أهل الإلحاد، وفرغت من سفر القول في ذلك، رأيت من حسن الرأي إن شاء الله أن أشفعه بأخيه، وأثنيه بصنوه، ليكون الكتاب بإيجازه واختصاره، وقريب مأخذه، كاملاً في الفن (1) الذي وضع فيه، شاملاً للنوع الذي هو منه، في ذكر أقاويل المخالفين من أهل القبلة، والرد عليهم في خلافهم، وتبيين وجه الحق في كل ذلك من غيره بشواهده وأعلامه، بمبلغ العلم، ومنتهى الفهم، مقتفياً لآثار السلف، متبعاً لأعلام الخلف _رحمة الله عليهم_، غير مبتدع لغير ما قالوا، ولا مستنبطا في غير الذي أصَّلوا، ورأيت أن أبدأ من ذلك بالقول في القدر وفي إثباته، لعظم بلية ذلك على الضعفة، وشدّة مؤنته على العامة، ولتشغيب أهله على الناس، ولأنه أصل عظيم من أصول دين الله، (2) الذي لا يقوم إلاَّ به، بعد أن أذكر مقدّمات في ترتيب المعاني، وتفصيل المباني، تكون تنبيهاً للمستفيد إذا سأل، وتثبيتاً
(1) الفن بالمعنى العام: جملة من القواعد المنبثقة لتحصيل غاية معيّنة، جمالاً كانت أو خيراً أو منفعة، فإذا كانت هذه الغاية تحقيق الجمال سميّ الفن بالفن الجميل، وإذا كانت تحقيق الخير سميّ الفن بفن الأخلاق، وإذا كانت تحقيق المنفعة سميّ الفن بالصناعة.
ويطلق اصطلاح الفنون على الفنون السبعة التي كانت تدرس في المعاهد القديمة: قواعد اللغة، البلاغة، المنطق، الحساب، الهندسة، الفلك، الموسيقى.
(2) روى الإمام مسلم بسنده عن ابن بريدة عن يحيى بن يعمر قال: كان أول مَن قال في القدر بالبصرة معبد الجهني، فانطلقت أنا وحميد بن عبد الرحمن الحميري حاجين أو معتمرين، فقلنا: لو لقينا أحداً من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ فسألناه عما يقول هؤلاء في القدر، فوفق لنا عبد الله بن عمر بن الخطاب داخلاً المسجد فاكتنفته أنا و صاحبي، أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله، فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إليَّ فقلت: أبا عبد الرحمن إنه قد ظهر قبلنا ناس يقرؤون القرآن ويتقفرون العلم، وذكر من شأنهم، وأنهم يزعمون أن لا قدر، وأن الأمر أنف. قال: "فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم، وأنهم بُراء مني، والذي يحلف به عبد الله بن عمر لو أن لأحدهم مثل أحد ذهباً فأنفقه ما قبل الله منه حتى يؤمن بالقدر". رواه الإمام مسلم في كتاب إيمان، (1) باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى، وبيان الدليل على التبري ممن لا يؤمن بالقدر، وإغلاظ القول في حقه، ورواه الترمذي في كتاب الإيمان، 4 باب ما جاء في وصف جبريل للنبي _صلى الله عليه وسلم_ الإيمان والإسلام 2610، وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.