الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٧٣صنعاً، وألطف منه حكماً عن الطبائع.
ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن هذه الألوان التي توجد في الأشياء: من بياض وحمرة وسواد وصفرة وخضرة، أعن طبائع تكونت؟ فإن قالوا: نعم: قيل لهم: فما بال الأبيض منها نجده حاراً تارة، وتارة بارداً، فنجد الأسود يابساً تارة، وتارة لدناً، ونجد الأبيض حلواً تارة، وتارة حامضاً، والأسود حامضاً تارة، وتارة حلواً، وتختلف في اللون والطعم، وتتفق في الحرارة والبرودة، وفي اليبس واللدونة، فهلا كان الحامض حيث ما وجدناه رطباً أو يابساً، والأبيض حيث ما وجدناه حاراً أو بارداً؟ وفي وجودنا اتفاق هذه الألوان، وهذه الطعوم، على غير اتفاق الطبائع التي ذكرتم، ووجودنا اختلاف هذه الألوان، وهذه الطعوم على غير اختلاف الطبائع التي بنيتم عليها تكون الأشياء فساد القول بالطبائع.
الرد على أصحاب أرسطوطاليس (1) :
ويقال لأصحاب أرسطوطاليس في زعمهم أن الهيولي قديم لم يزل ومعه قوة قديمة، والهيولي غير ذي أعراض، والقوة كذلك، حتى غلبت القوة الهيولي فحدث عن تغلبها الأعراض، ويقال لهم: أخبرونا عن تغلب القوة الهيولي، أطبع هو أم اختيار؟ فإن قالوا: طبع، قيل لهم: فكيف غلبته بعدما لم تغلبه؟
(1) - أرسطوطاليس: هو ابن نيوقرماقوس، من أهل "اصطخر" ولد سنة 384 قبل الميلاد في مدينة (اصطخر)، كان أبوه طبيباً للملك المقدوني "أمنتاس" الثاني جد الإسكندر، وتعلّم مع "فيلبس" أبي الإسكندر، والتحق بأكاديمية "أفلاطون" فلزمها عشرين سنة إلى أن توفي "أفلاطون"، من كلماته المشهورة: أحب الحق وأحب أفلاطون، وأوثر الحق على أفلاطون، استدعاه "فيلبس" المقدوني ليتولى تربية ابنه الإسكندر، وأنشأ مدرسة المشائين، وأنشأ مكتبة كانت الأولى من نوعها في العصر القديم، واتهم بالإلحاد، وألف كتباً كثيرة في المنطق والعلوم الطبيعية والأخلاق والسياسة، مات عام 322 ق.م (راجع الملل والنحل ج2 ص 362 هامش).