الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٥٠وذلك لاتفاق جهاتهما في الملك، فهذه حقيقة الشركة، وكل هذا الذي قلنا اشتركاه بينهما فهو لله ملك ومال، قال: (وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُم) (1) والعبد من ذلك عبد لله، وهو مع ذلك تعالى غير موصوف بالشركة لهما، ولا لأحدهما، ولا يقال لهما ولا لأحدهما: إنَّه شريك لله تعالى عن ذلك، لاختلاف جهات الملك.
والوجه الثاني من الشركة على معنى المعاونة والاتفاق، وذلك كرجلين ملكا ملكاً، أو أمرا أميراً، أو جيّشا جيشاً، أو هزما جنداً، أو فتحا ثغراً، أو استعملا، أو استقضيا، أو اعتزلا، أو كانا ملاحين فسارا بسفينة في البحر، أو قتلا رجلاً بأي وجه من وجوه القتل، ولو أنهما أجاعاه، أو أعطشاه حتى مات، أو دفعا شجرة فخرت، أو تجاذبا ثوباً فانخرق، أو اتفقا على أمر من الأمور فأمضياه، فإنَّه قد يقال في هذين: إنهما اشتركا على معنى: تعاوناً واتفقا، وليست الشركة هاهنا حقيقة، بل هي مجاز واستعارة، وسمي هذان شريكين في الفعل إذ كان فعلهما من جهة واحدة، ولا يجوز أنَّ يقال: إنَّ الله شاركهما، ولا شارك أحدهم في تمليك ملك، ولا في تأمير أمير، ولا في تجنيد جند، وهو
(1) سورة النور آية رقم 33، وتكملة الآية: (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِّتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَن يُكْرِههُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).