الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٧١

على إثبات حدوث الأشياء وإيجاب خلقها، والنقض على أهل الإلحاد في صدر السفر الأول من الكتاب، فهو دلالة على خلق الأفعال، لما كانت الأفعال داخلة في جملة الأشياء، وجملة الأشياء مشتملة على الأفعال، وكل ذلك نقض على القدرية فيما أتوا من ذلك. ولو تتبعت هذا الباب دليلاً من كتاب الله عزّ وجلّ، ومن سنّة نبيه _صلى الله عليه وسلم_، ومن آثار الأئمة، ومن إجماع الأمة، وشاهد القياس الذي لا تزور شهادته، ولا تجرح عدالته لكان بذلك شغلاً عما سواه.

وقد قال الله عزّ وجلَّ: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الأرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ) (1) التي جعلها دالة على ربوبيته، وشهادات على وحدانيته، وقال عزّ وجلّ: (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) (2) لما كان علم الخلق ذا نهاية، ألا ترى إلى قوله: (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيم) (3) فجعل نهاية علم كل عالم علم عليم فوقه، حتى ينتهي العلم إلى العليم الذي لا فوقه عليم، فالناظر بعين الاستغراق (4) إلى العلم، واللاحظ له بلحظ الاستفراغ

(1) الآية 27 من سورة لقمان.

(2) الآية 85 من سورة الإسراء.

(3) الآية 76 من سورة يوسف.

(4) استغراق الحد: شموله لجميع الأفراد، بحيث لا يخرج منها شيء. مثال ذلك: أنَّ استغراق الموضوع في القضايا الكلية استغراق كلي، وفي القضايا الجزئية استغراق جزئي، وفي القضايا السالبة استغراق كلي. والاستغراق عند المتصوفين ألا يلتفت قلب الذاكر إلى الذاكر في أثناء الذكر، ولا إلى القلب. وأول شروط التصوف كما قال الغزالي: تطهير القلب بالكلية عما سوى الله، ومفتاحه القلب بالكلية بذكر الله. راجع المنقذ من الضلال ص 106.

٢٥٠ / ٤٦٠