الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٧٦فإن قال: أليس لم يزل مريدا لأن تكون الأوقات؟ قلنا: نعم، فإن قال: فما بال الأوقات لم تك لم تزل؟ قلنا: لأنَّه أراد أن تكون الأوقات أوقاتاً للأشياء الكائنات فيها، وأراد أن تكون الأشياء إذا كانت الأوقات، فبطل قوله في أزلية الأوقات للأشياء الكائنات في الأوقات، كما أنَّنا نقول نحن ومن خالفنا: إنَّ الله لم يزل يعلم الأشياء، ولم يزل قادراً على كون الأشياء والأوقات، وغير جائز أن يقال: إنَّ الأشياء الكائنات في الأوقات لم تزل.
فإن قال قائل: هل أراد الله أن يعصى؟ قيل له: إن كنت تريد أراد الله أن يعصى بمعنى أمر بالمعصية فلا، بل أراد الله أن يطاع بهذا المعنى، وإن كنت تريد أراد المعصية أي جعلها خلافاً للطاعة، غير مستكره على أن تكون المعصية من العصاة والكفر من الكافرين، فهذا ما نقول، فالإرادة في هذا الموضع نفي الكره، فلما نفى عنه الكره في المعصية من طريق إضافتها إلى العباد، قلنا: يستحيل أن ينفي الكره عنه في فعل غيره، والجائز أن ينفي عن الفاعل الكره في فعله. فلما كانت المعصية مضافة إلى الله أنَّه خلقها وجعلها خلافاً لما خالفها من الأشياء، وجعلها غير محتملة للبقاء ولا متجلية للعيان كان الله موصوفاً بأنَّه مريد لها من جهة ما أضيفت إليه أنَّه خلقها كذا، وهو غير مستكره على أن يخلقها كذا، ولما كان غير جائز أن تضاف إلى الله من جهة ما أضيفت إلى العباد