الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٨٠"إن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن". تبارك الله ربّ العالمين.
باب القول في العدل (1) وفي إثبات العدل.
والرد على من قال بغير الحق في ذلك.
قالت الجهمية ومن ضارعهم من أهل الجبر: لما ثبت عجز العباد عن أن يجعلوا حركاتهم وسكونهم بغير ما هي به من الوجود في وقت، ثمّ لا يوجد في غيره، وتثبت قدرة الله على ذلك، وإضافة حركات العباد وسكونهم إلى الله بالتقدير لها، والخلق لذلك، والتدبير له، ثبت أنَّ حركاتهم وسكونهم فعل الله من جميع الجهات، وأنَّها ليست بفعل لأحد غير الله بمعنى من المعاني، وزعموا أنَّ الله عذب الخلق على ما فعل، لا على ما فعلوا هم، وكل ما كان من فعل فهو فعل الله في الحقيقة، وهو مضاف إلى الإنسان، مثل قولك: طلعت الشمس، وهبت الريح، ومات فلان، واستدلوا على ذلك، زعموا أنَّهم لما وجدوا الله فعالاً للأشياء لا من شيء، ومن صفته الفعال، فلن يجوز أن يوافق الله أحد في صفته؛ لأنَّ الفعال هو الخلاق، ولا يجوز أن يكون الخلاق غير الله، فأهل النار في النار يألمون على غير فعل فعلوه، وأهل الجنة يتلذذون على غير فعل فعلوه، وإنما هو أنَّ الله أعطاهم. وغلطوا من طريق ما غلط فيه أهل القدر في إزالتهم الخلق عن فعل العباد؛ وذلك أنَّهم قالوا: لما ثبت النهي من الله عن معصيته، والأمر بطاعته، وثبت أنَّ للعباد القدرة على أن يتحركوا ويسكنوا ثبت أنَّ التحرك
(1) العدل: خلاف الجور. يقال: عدل عليه في القضية فهو عادل، والعدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه، ولا يكون في شيء من الأزمنة منسوخاً، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، وعدل يعرف كونه عدلاً بالشرع، ويمكن أن يكون منسوخاً في بعض الأزمنة، كالقصاص، وأرش الجنايات، قال تعالى: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (سورة البقرة آية 194). ويقال: فلان يعادل هذا الأمر إذا ارتبك فيه ولم يمضه.
قال الشاعر:
إذا الهم أمسى وهو داء فامضه فلست بمضيه وأنت تعادله
راجع بصائر ذوي التمييز 4: 30.