الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٨٤كيف كانت المعصية معصية إذ جعل عليها ثواباً؟ فإن قالوا: لا يجوز أن يعاقب على ما أمر به، ولا أن يثيب على ما نهى عنه، قيل: ولم وكلا الأمرين فعله، والعاصي المعاقب المذموم، والمطيع المثاب المحمود لا فعل لهما في الحقيقة يحمدان عليه أو يذمان؟ وإنما ذلك كله لله ومنه عزّ وجلّ عما يقول المبطلون، مع ما وجدنا من إبطال أمر الله ونهيه، وسقوط الحجة على أهل الزمانات وبسط المعذرة لهم، فقال تعالى: (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج) (1) وما سقط من فرض الحج والجهاد على المقعد، وعلى الأخرس من الإقرار بالتوحيد فيما ألزمه غيرهم من الأصحاء السالمين، لاستحالة وجود ذلك مع ما هم عليه من الزمانات ما يوجب لمن كان في مثل أحوالهم من المضطرين المجبرين على ما كان منهم من العذر وإزالة الفرض، وفي إيجاب الأمر والنهي والحمد والذم والثواب والعقاب للعاملين دليل على أنَّهم ليسوا ما قالت المجبرة في أنَّهم كأهل الزمانات والضرورات من المنع عما لم يفعلوا، والاستكراه على ما فعلوا، وهذا غلط عظيم من الجهمية وأصناف المجبرة، بمثل هذه الأباطيل عاب الملحدون على ضعفة الأمة، وحاولوا بذلك
(1) سورة الفتح آية رقم 17.