الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ٨٦أليس الشقي شقياً في بطن أمه، والسعيد سعيداً في بطن أمه؟ قيل لهم: بلى، إنَّ الله عالم بما يكون من الخلق فعل العباد وغيره قبل أن يكون، ولم يزل بذلك عالماً، ولم يستحدث علماً لم يكن يعلمه، ولم يزل يعلم الشقي من السعيد، والسعيد من الشقي، وهو العالم بما يكون من ذلك منهم قبل أن يصيروا في بطون أمهاتهم، وعالم به وهم له فاعلون، وقد أخبرناكم قبل هذا أنَّ علمه جلّ جلاله بالأشياء ليس بجابر أحداً على فعل شيء من شقوة أو سعادة، ولا مكره له على ذلك، والشقي شقي في بطن أمه بما علم الله أنه يشقى به من فعله، وسوء اختياره لنفسه، وجرأته على ربه، وكذلك السعيد سعيد في بطن أمه بما علم الله أنَّه سيسعد به من فعله، ولإتباعه لأمر ربه، وحسن نظره لنفسه. فإن قالوا: ما معنى قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: لن يدخل الجنة أحد بعمله، قيل: ولا أنت يا رسول الله، قال: "ولا أنا إلاَّ يتغمدني الله برحمته" (1) قيل: إن معنى ذلك من قول رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ على مثل قولهم:
(1) الحديث رواه الإمام البخاري في كتاب الرقاق، 18 باب القصد والمداومة على العمل 6463، عن سعيد المقبري عن أبي هريرة _رضي الله عنه_ قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وذكره، وفي رواية أبي داود الطيالسي عن ابن أبي ذئب: "ما منكم من أحد ينجيه عمله"، وأخرجه أبو نعيم من طريقه، وفي كفارة المرض من طريق أبي عبيد عن أبي هريرة بلفظ: "لم يدخل أحد علمه الجنة". وأخرجه الإمام مسلم في كتاب المنافقين من طريق ابن عون عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة: "ليس أحد منكم ينجيه عمله"، ومن ريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أنه قال: "لن ينجو أحد منكم بعمله"، وله من حديث جابر: "لا يدخل أحد منكم عمله الجنة ولا يجيره من النار"، وأورده الربيع في مسنده عن أبي عبيدة عن جابر بن زيد عن ابن عباس 2: 73.
قال ابن بطال في الجمع بين هذا الحديث وقوله تعالى: (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) ما محصله: أن تحمل الآية على أنَّ الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، وأن يحمل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها.