الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٩٤

بصفة خلقه كفراً، ثم يقال لهم: أخبرونا عن الإقرار لله بالربوبية وإثبات الوحدانية له، أتوحيد هو وإيمان أم غير توحيد ولا إيمان؟ فإن قالوا: ليس بتوحيد ولا إيمان قيل لهم: وكذلك ضده من الإنكار لربوبيته والجحد لوحدانيته، لا يكون شركاً بالله ولا كفراً، فإن قالوا: إنَّ الجحد لربوبية الله والإنكار لوحدانيته هو شرك بالله وليس بكفر، كما أنَّ الإقرار بذلك توحيد وليس بإيمان، قيل: أفيكون توحيد الله من الفعل ما ليس بإيمان، ويكون شركاً بالله من الفعل ما ليس بكفر، وهذا مما لا يقول به إلاَّ ذو مرار هائج (1) ، أو من به جنة مولعة (2) ، وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، فإن قالوها حقنوا مني دماءهم وأموالهم إلاَّ بحقها (3) .

ولا يكونون يحقنون دماءهم وأموالهم إلاَّ بأن يؤمنوا بالله ورسوله. فدل على أنَّ قولهم: لا إله إلاَّ الله إيمان، فإن قالوا: ليس الإقرار بذلك إيماناً وإنما الإيمان هو المعرفة بالقلب دون الإقرار، والإقرار دلالة على ما في القلب من الإيمان، قيل لهم: وما في الإقرار باللسان مما يدل على ما في القلب؟ أو ليس قد يقر المقر بلسانه على أمر، وفي قلبه خلاف ذلك الذي هو مقر به، ومن أعلم رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ والأئمة من بعده بأنَّ في قلوب المقرين بلا إله إلاَّ الله من المعرفة

(1) هاج النبت هيجاً: يبس واصفر. قال تعالى: (ثم يهيج فتراه مصفراً) سورة الحديد آية رقم 20. وهاج الشر، وهاجت الحرب بينهم، وهاجت الإبل: عطشت، وهايج فلان فلاناً: أثاره وقاتله، وتهيج الشيء مبالغة في هاج، والهائج: الفورة والغضب، والهيج: الحرب، وكذلك الهيجاء.

(2) ولع به يولع ولعاً وولوعاً، علق به شديداً، ولج في أمره وحرص على إيذائه، والوالع: الكذاب، والمولع، يقال: رجل مولع فيه لمع من برص به، وفرس مولع: استطال بلقه وتفرق، الولوع: الشديد التعلق.

(3) الحديث رواه الإمام مسلم في كتاب الإيمان 8، باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلاَّ الله، محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة 32 (20)، بسنده عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ واستخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر بن الخطاب لأبي بكر: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، وذكره. ورواه الإمام البخاري في كتاب الإيمان 17، 28، وفي كتاب الاعتصام 2: 28. ورواه الإمام الترمذي في التفسير، سورة 88. والنسائي في الزكاة 3. وابن ماجة في الفتن 1، 3.

٢٧٣ / ٤٦٠