الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٠٧فلم لا جوزتم على الله _جلّ ثناؤه_ أن يكون يتوعدهم، ثمَّ هو لا يفي لهم بذلك؟ قيل له: ويحك قد ناظرت ما لم يكن نظيراً، وشبهت ما ليس بشبيه؛ وذلك أنَّ أحداً منا قد يعد ويوعد، وهو لا علم له بالذي تصير إليه عاقبة وعده وتوعده، ثمَّ يكون من بعد ذلك تبدو له أمور يتبين بها أنَّ عاقبة وعيده إذا هو أمضاه تصير إلى فساد، وتنتهي إلى هلاك، فيرى أنَّ الخلف للذي توعد به أصلح من إمضائه وإتمامه، فيقصر عندما بدا له من إنجاز ما توعد به، والله عزّ وجلّ غير موصوف بأن يكون يجهل عاقبة أمر من الأمور، فيكون يبدو له ما لم يكن يعلم من ذلك، ولو كان الله عزّ وجلّ يعد أحداً أو يتوعده، ثمّ هو لا يفي له بذلك لوقع التوهم في جميع موعوداته (1) عزّ وجلّ، والشك في جميع أخباره ألا يأتي شيء منها على ما وعد ولا على ما أخبر، وهذا إبطال التصديق لله عزّ وجلّ في جميع ما يخبر به أو يعده أو يتوعد به، ولا يخلو المتوهم لهذا، والقائل به من أن يكون غبياً منقوصاً، أو سفيهاً عبثاً، تعالى الله عن ذلك، ولعله يقول: أو ليس الله جلّ جلاله رحيماً بخلقه، غنياً عن عذابهم يمن
(1) راجع ما كتبه صاحب منهج الطالبين عن الوعد والوعيد، والرد على القائلين بأنَّ الله سبحانه وتعالى ينجز وعده ولكنه يمكن أن يخلف وعيده 1: 48.