الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٠٨برحمته (1) ، ولا يظلم بعذابه، وهو قد وعد ثوابه على الطاعة، وتوعد بعقابه على المعاصي، فلم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به الثواب؟ قيل له: لسنا ننكر بل نقول بأنَّ الله عزّ وجلّ رحيم بخلقه، لطيف بعباده، يمن بالرحمة، ولا يظلم بالعذاب. ومعنى ذلك: أنَّه متفضل على خلقه برحمته، يصيب بها من يشاء من عباده، على غير استحقاق منهم، ولا استيجاب، ولا يظلم بالعذاب فيؤاخذهم على غير ما عملوا، أو يعذبهم على ما لم يفعلوا، وليس هذا من الذي قلنا بأنَّه يثيب أولياءه بأعمالهم على ما وعدهم، ويعاقب أعداءه على ما توعدهم في شيء.
ومسألة إيانا بأن قال: لم جعلتم ما توعد به من العقاب أمضى وأنجز من الذي وعد به من الثواب، مسألة ساقطة ومعارضة واهية من وجوه كثيرة؛ وذلك أنَّه لا يخلو ما سأل عنه في هذا المعنى من وجوه ثلاثة: إما أن يكون الله عزّ وجلّ يجمع لهم الثواب والعقاب جميعاً، فيكونون معذبين مثابين في حال واحدة، فهذا من أمحل المحال الذي لا يتوهم وجوده، أو يكون يقدم أحدهم على الآخر، فيكون المقدم منقطعاً زائلاً، والمؤخر متصلاً باقياً، فأيهما المتصل وأيهما المنقطع؟ فكل ما ثبت من ذلك دون الآخر فهو دعوى منه بغير دليل، فمن أراد أن يثبت دعواه بغير دليل أو بما لا تثبت به الدعوى فهو متحكم.
(1) قال تعالى: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) الأعراف آية 156.