الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ١٠٩

والوجه الثاني أن يكون الله أثاب على بعض الطاعات، وترك العقوبة على بعض المعاصي، فإنَّا لسنا نجد للثواب على شيء من فعل الطاعات وجهاً، إلاَّ بأن يكون المثاب ليس معه من فعل المعاصي التي توعد الله عليها العقاب، وأما إذا كان معه من فعل ما توعد الله عليه العقاب فلا؛ لأنَّ في ذلك إبطال وعيد الله عزّ وجلّ وتكذيب خبره، فلما بطل هذان الوجهان لم يبق إلاَّ الوجه الثالث بأن يكون المثاب ليس معه فعل شيء مما توعد الله عليه العقاب، فيكون الثواب حينئذ للمؤمنين المستكملين الإيمان على ما وعدهم، كيف وعدهم، والعقاب للكافرين الراكبين ما وعدهم عقابه عليه، فهذا الذي قلنا.

ووجه آخر في سقوط مسألته: أنَّه لا يخلو المثاب المعاقب من أن يكون مؤمناً وكافراً جميعاً، أو مؤمناً دون كافر، أو كافراً دون مؤمن، فبطل أن يكون مؤمناً كافراً معاً، لما في ذلك من الاختلاط الذي لا يسوغ به قول، ولا يوصف معه حكم، وأن يكون مؤمناً معذباً في النار، معاقباً في الجحيم. فهذا غاية التكذيب لله عزّ وجلّ، قال: (أولئك عنها مبعدون) (1) في أمثالها، أو أن يكون كافراً دون مؤمن، فيكون معذباً على كفره، معاقباً على عصيانه لربه، فهو ما نقول.

(1) سورة الأنبياء آية رقم 101. قال الفخر الرازي: قال أهل العفو: معناه أولئك عنها مخرجون، واحتجوا عليه بوجهين الأول: قوله تعالى: (وإن منكم إلاَّ واردها) سورة مريم آية 71. أثبت الورود وهو الدخول، فدّل على أنَّ هذا الإبعاد هو الإخراج.

الثاني: إنَّ إبعاد الشيء عن الشيء لا يصح إلاَّ إذا كانا متقاربين لأنَّهما لو كانا متباعدين استحال إبعاد أحدهما عن الآخر؛ لأن تحصيل الحاصل محال. راجع التفسير الكبير 11: 266.

٢٨٨ / ٤٦٠