الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٢١كبيرة (1) ، فلو كانت كل معصية كبيرة كانت الأمة تجمع ألاّ معصية إلاَّ كبيرة، كما أجمعوا أن لا كبيرة إلاَّ عصيان. ألا ترى أنَّ الله قال في كتابه: (ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلاَّ أحصاها) (2) ، وقال: (وكل صغير وكبير مستطر) (3) ، وقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً) (4) فكل ما كان مغفوراً لأهله، متروك المؤاخذة عليه فهو صغير غير كبير، وغير كفر. فعلمنا لذلك أنَّ جميع طاعة الله إيمان، وليس جميع معصيته كفراً ولا كبيراً، فإن قالو:ا قد أخبر الله أنَّ (ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً) (5) فينبغي أن تكون كل المعاصي كبيرة، قيل لهم: قد استثنى في المعاصي فقال: (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم) (6) والسيئات عام والمعاصي عام، فاستثنى في الاسم العام، فعلمنا أنَّ ليس كل معصية ضلالاً؛ لأنَّ المعصية اسم عام، ولأنَّ بعضها من بعض، فقلنا صغير باستثنائه في الاسم العام من السيئات. فإن قالوا: لم كفرتم الجبابرة ولم تشركوهم؟ قيل لهم: ليس كل كفر شركاً، كما أنَّ كل شرك كفر، فكل فعل أوعد الله عليه العقاب، وأضاف فاعله إلى النار علمنا أنَّه كفر، والشرك إنما هو مقصور على المساواة بالله غيره، كما أنَّ التوحيد إفراد لله من غيره. فلما أن وجدنا من ذكرتم ليسوا بمساوين لله بغيره في شيء من أفعالهم، وإنما أتوا ما أتوا من ذلك شهوة ولذة دائنين بتحريمه، غير مستحلين له، علمنا أنَّهم كافرون غير مشركين. فإن قالوا:
(1) راجع ما كتبه الشيخ السالمي في كتابه مشارق أنوار العقول عن الكبائر وأقسام الكبائر 374 ـ 395.
(2) سورة الكهف آية رقم 49.
(3) سورة القمر آية رقم 53.
(4) سورة النساء آية رقم 31.
(5) سورة الأحزاب آية رقم 36، وقد جاءت الآية محرفة في المطبوعة حيث قال: بعيداً بدلاً (مبيناً).
(6) سورة النساء آية رقم 36، وتكملة الآية: (وندخلكم مدخلاً كريماً).