الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٢٢فكيف حتى قلتم بتحليل دمائهم، ولم تقولوا بتحليل أموالهم، وسبي (1) ذراريهم؟ قيل لهم: ليس كل من حل دمه فقد حل ماله، وجاز سبيه. ألا ترون أنَّ القاتل للنفس التي حرم الله قد يقتل، ولا يحل ماله، ولا سبيه. وقد يرجم الزاني المحصن (2) ولا يحل سبيه ولا ماله. والقاطع طريق المسلمين، والدال على عوراتهم، فليس أحد من هؤلاء يحل ماله ولا سبيه، وقال الله عزّ وجلّ: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) (3) ، وقد جرى في سالف هذه الأمة بينهم في الدماء ما هو مشهور غير مستور، معروف غير مجهول، فهل سمعتم فيما بينهم بتحليل في مال، أو سبي في ذرية، حتى كنتم أول من أحدث هذا الحدث، وفتحتم بابه، وزعمتم أنَّ المحدثين من أهل القبلة مشركون كأهل حرب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_، فسفكتم دماءهم، وأخذتم أموالهم، وسبيتم ذراريهم، وانتحلتم الهجرة، وزعمتم أنَّها فريضة على الناس أن يهاجروا أوطانهم، ويفارقوا ديارهم أينما كانوا في شرق الأرض وغربها، حتى يلحقوا ببيضتكم (4) ، أينما كنتم، وحيثما ما كنتم. ومما يؤثر عن النبيّ _صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال: "لا هجرة بعد فتح مكة"، وقد أقر الناس على منازلهم بعد فتح مكة وغيرها من البلدان، فلم يضيق على أحد منهم في اللحوق به صلى الله عليه وسلم.
(1) يقال: سبته الغانية أسرته، والسَّبْيُ: المأسور، وصف بالمصدر، يقال: قوم سَبْيٌ والنساء؛ لأنَّهن يسبين القلوب، والسَّبِيُ: المأسور والمأسورة، وهي سبية أيضاً، والسَّبِية: الدرة يخرجها الغواص من البحر.
(2) حصن المكان حصانة: منع فهو حصين، والمرأة حصناً وحصانة عفت وتزوجت فهي حصان، وأحصن الرجل: تزوج وعفَّ فهو مُحصن وهي محصنة، وفي التنزيل قال تعالى: (والمحصنات من النساء).
(3) سورة الحجرات آية رقم 9.
(4) بيضة الشيء أصله، وبيضة القوم: حوزتهم وحماهم، وبيضة الدار: وسطها. ويقال: أفرخت بيضته: ظهر مكتوم أمره، وفلان بيضة البلد: إذا عرف بالسيادة. ويقال للشيء الذي لا يقع إلاَّ مرة واحدة بيضة الديك. وبيضة الصيف: شدة حره.