الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٣٠تسأل الجهمية (1) عن قولهم بأن الجنة والنار بما فيهما من الثواب والعقاب، ومَن فيهما من أهل الثواب والعقاب غير باقيين ولا دائمين، فيقال لهم: ويلكم كيف منكم حتى اعترضتم على أخبار الله عزّ وجلّ بالرد على جميع ذلك بالدوام ولأهلهما بالخلود، وتجاسرتم عليها بالنقض، وانفردتم بمخالفة الأمة؟ قالوا: لما وجدنا الله عزّ وجلّ قديماً لا يحدث، باقياً لا يفنى، ولن يجوز أن يساويه أحد في صفته، فلذلك أبطلنا عما دونه من الخلق أن يكون باقياً، كما أبطلنا عنه أن يكون قديماً. قيل لهم: ويحكم قد اتقيتم الأبرة، وبلعتم الزبرة (2) ، ووقعتم في أشدّ مما هربتم منه، أليست العلّة في إن كان القديم قديماً أنه لم يحدث قط؟ وليست العلّة في إن كان الباقي باقياً أنه لم يفن قط، والباقي قد يكون باقياً، ثم يفنى ويكون
(1) أتباع جهم بن صفوان الذي قال بالإجبار والاضطرار إلى الأعمال، وأنكر الاستطاعات كلّها، وزعم أن الجنة والنار تبيدان وتفنيان، وزعم أيضاً أن الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، وأن الكفر هو الجهل به فقط، وقال: لا فعل ولا عمل لأحد غير الله تعالى، وإنما تنسب الأعمال إلى المخلوقين على المجاز.
وفي مقالات الإسلاميين: قال جهم: "إن علم الله محدث، هو أحدثه فعلم به، وأنه غير الله، وقد يجوز عنده أن الله يكون عالماً بالأشياء قبل وجودها بعلم يحدثه قبلها". راجع مقالات الإسلاميين 2: 494، والملل والنحل 1: 86، والفرق بين الفرق 211، والتعريفات للجرجاني 71.
(2) الزبرة: بالضم القطعة من الحديد، قال الله تعالى: (آتوني زبر الحديد) سورة الكهف آية 96. وزُبُر أيضاً بضم الباء، قال تعالى: (فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً) سورة المؤمنون آية 53 أي قطعاً. والزبْر: الزجر والانتهار، وبابه نصر، والزبر بالكسر الكتاب، والجمع زبور كقدر وقدور، ومنه قرأ بعضهم: (وآتينا داود زبوراً) سورة الإسراء آية 55.