الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ١٣٣

موسى) (1) ، فلما تبيّن أنَّ كتاب الله شيء من الأشياء قلنا: لا يخلو هذا الشيء من وجهين لا ثالث لهما: إمَّا أن يكون محدثاً أو غير محدث، فإن قالوا: غير محدث أبطلوا، وردوا على الله حيث قال: (وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلاَّ كانوا عنه معرضين) (2) ، فإن قالوا: محدث، قيل: من أحدثه؟ فإن أضافوا حدوثه إلى غير الله أبطلوا، وإن قالوا: إنَّ الله أحدثه أقروا بخلقه، ويقال: هل كان القرآن دالاً على الله في ربوبيته، شاهداً عليه في وحدانيته؟ فإن قالوا: لا أبطلوا، وإنَّ قالوا: بل هو دال على الله، وشاهد عليه كما كان سائر الأشياء من الخلق دالاً على الله، قلنا من جعله دالاً على الله؟ ولا يجدون إلاَّ أن يقولوا الله جعله دلالة على ربوبيته، وشهادة على وحدانيته، كما جعل سائر الخلق كذلك، فإن قالوا ذلك أقروا بخلقه. ويقال لهم: أخبرونا عن القرآن أليس هو محدثاً كائناً بعد أن لم يكن؟ فإن قالوا لا أبطلوا، وجعلوه قديماً مع الله، وصاروا إلى مذهب الاثنين (3) ممن أنبأنا عن باطلهم فيما مضى، فإن قالوا محدث كائن بعد إذ لم يكن أقروا بخلقه. والحدوث هو الخلق، كما أنَّ الخلق هو الحدوث، وإنما شنعوا عبارة الخلق لغباوتهم وجهلهم، وهم قد أتوا بجميع معاني الخلق،

(1) سورة الأنعام آية رقم 91.

(2) سورة الشعراء آية رقم 5.

(3) منهم المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الذي ظهر في زمان سابور بن أردشير، ومنهم المزدكية أصحاب مزدك. حكى الوراق أنَّ قول المزدكية كقول كثير من المانوية في الكونين والأصلين. ومنهم الديصانية أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين نوراً وظلاماً. ومنهم المرقيونية أصحاب مرقيون. راجع الملل والنحل 2: 57 وما بعدها.

٣١٢ / ٤٦٠