الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٣٨الإقرار بوحدانيته (1) ، والإذعان لربوبيته، ما ركبه فيهم من العقول الصحيحة السالمة من شوائب الآفات. فكل مَن صحت له جارحة العقل، وسلمت له غريزة الفكر فعليه أن يعرف بعقله أن الله واحد لا شريك له في خلقه، ولا يشبهه شيء من بريته، لما يجده من الدلالة على ذلك في هذا الخلق، مما يشاهد من عجز الخلق عن إحداث بعضه لبعض، وحاجة بعضه إلى بعض، فدلّ ذلك على حاجة جميعه إلى محدث يحدثه ومدبر يدبره. قالوا: فإذا نظر في هذا بأحسن النظر، وفكّر فيه بحقيقة الفكر عرف بعقله ما بين الدليل والمدلول عليه، فيستدل على أنَّ لهذا الخلق خالقاً خلقه، ومدبراً دبره، ولا يشبهه خالقه في وجه من الوجوه، وزعموا أن الناس قد يسلمون في أمر دينهم لما جعل الله في عقولهم من الكفاية، ولا حاجة لهم إلى منبّه، ولا معبّر يعبر عن الله في شيء من أمره، وأن ما وراء هذا من المعارف برسل الله وبكتبه، وأن محمداً رسول الله، وبأن ما جاء به محمد أنه هو الحق، فقد يسلم الناس عندهم بجهالة ذلك. وقد زعموا أنهم يسلمون بجهل جميع ما أتى به محمد _صلى الله عليه وسلم_ من ذلك
(1) الوحدانية: الفردانية، وقال أبو القاسم الراغب: الواحد في الحقيقة هو الشيء الذي لا جزء له البتّة، ثمّ يطلق على كل موجود حتى إنه ما من عدد إلاَّ ويصح به فيقال عشرة واحدة، ومائة واحدة، فالواحد لفظ مشترك يستعمل على وجوه. راجع البصائر 5: 170 بتصرِّف.