الجزء الثاني من كتاب الموجز
الجزء ٢ · صفحة ١٨٩وقد كان عارضهم عيسى بن علقمة المصري _رحمة الله عليه_ في كتاب التوحيد الكبير بأمر مقنع بما فيه الكافية، لما عارضهم بمقابلة أصحاب الأرسطاطاليس (1) من أهل الدهر، حين زعموا أن الهيولي (2) قديم لم يزل، ليس بذي أعراض، ولا بذي صفات، إلى أن صار في زعمهم بعد ذلك موصوفاً بالأعراض والصفات، وناظر مقابلة هؤلاء القوم من الناكثة حين زعموا أن الله قديم لم يزل، وأن صفاته محدثة مخلوقة كائنة بعد إذ لم تكن، كمقالة من ذكرنا من أهل الدهر سواء، فلم ينفصلوا عند معارضة عيسى إياهم من مقالة أهل الدهر، ولم يتخلصوا من الذي يلزمهم في ذلك بحمد الله سبحانه، ولعمري أن مثل عيسى لمن حذاق متكلمي أهل هذه الدعوة المباركة فيما بلغنا عنه.
فإن سأل سائل من أصحاب الأشعرية، أو نسأل لهم أنفسنا فنقول: فإذا زعمتم أن صفات الله عز وجل غير متغايرة ولا متعددة، وإنما هي الله، وليست شيئا غيره، وليس شيء منها غير شيء، فهل تقولون: إن الله هو قدرته، وإن قدرته هي علمه، وكل معنى من ذلك هو الآخر؟ قيل لهم: إنا لم نأب ما سألهم عنه من ذلك من وجه التغاير، ولا من وجه العدد، كما توهتموه من الذي غلطتم فيه، وإنما أبينا من القول بأنَّ علم الله هو قدرته، وإنَّ قدرته هي إرادته في سائر ذلك، لما يوجبه القول في معنى يقدر، ولا يوجبه في معنى يريد، ولا في معنى يعلم، ومن ذلك أنَّ معنى يعلم يقع على الفعل وغير الفعل، ومعنى
(1) كانت شخصية أرسطو معروفة عند أهل الشرق عن طريق ما تناقلوه من الأساطير وما ورثوه من العلم، فقد تناولته الأساطير من جهة أنَّه الحكيم الذي علم ذا القرنين، وذكرت الروايات العلمية ترجمته ومجمل آرائه، كما وجدت أيضاً بالسريانية مقتطفات وشروح وترجمات لكتاب ايساغوجس لفرفوريوس ولبعض مصنفات أرسطو وخاصة في المنطق كالمقولات، والعبارة، وتحليل القياس.
ولم تعرف على وجه التحقيق أخبار سيرة هذا الفيلسوف، فقد خلط مؤرخو العرب (كاليعقوبي) بين أبي أرسطو ونيقوماخس الفيثاغوري. وأثر أرسطو في المسلمين منذ القرن الثالث عشر الميلادي يكاد يقتصر على علم المنطق. راجع دائرة المعارف الإسلامية 2: 581 ـ 585، وقد ذكرت مجموعة ضخمة من المراجع والمصادر.
(2) الهيولي لفظ يوناني بمعنى الأصل والمادة. وفي الاصطلاح: هي جوهر في الجسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتصال والانفصال محل للصورتين الجسمية والنوعية. وقال ابن سينا: الهيولي المطلقة فهي جوهر، ووجوده بالفعل إنما يحصل لقبول الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلاَّ معنى القوة. والهيولي عند القدماء: على أربعة أقسام: وهي الهيولي الأولى: وهو جوهر غير جسم قابل لما يعرض لذلك الجسم من الاتّصال والانفصال محل للصورة الجسمية، الهيولي الثانية: وهي جسم قام به صورة كالأجسام بالنسبة إلى صورها النوعية. الهيولي الثالثة: وهي الأجسام مع الصورة النوعية التي صارت محلاً لصور أخرى كالخشب لصورة السرير. الهيولي الرابعة وهي أن يكون الجسم مع الصورتين محلاً للصورة كالأعضاء لصورة البدن. راجع التعريفات، وكشاف اصطلاحات الفنون، والحدود.