الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الثاني من كتاب الموجز

الجزء ٢ · صفحة ٢١١

الناس أنَّ من قذف مستورة من المسلمات بالزنا أيسر عليها وأخف مؤونة من الذي يبتزها من ثيابها من وسط جموع الناس، ويدعها مكشوفة، بل قد علم جميع الخلائق أنَّ من جرد امرأته التي هي زوجته في ملأ من الناس أنَّ ذلك أكبر منه فعلاً، وأعظم بلية من أن يقول لها: اذهبي يا زانية، وكيف لو نال منها شبيه ما ذكروا في ملإٍ من الناس وجموعهم وهي امرأته.

وقد اتفقت العلماء على أنَّهما إذا وجدا في لحاف واحد، وكانا غير زوجين أنَّهما يعزران، والتعزيز عندنا وعندهم لا يحب إلاَّ على كبيرة من الكبائر. أرأيتهم إذا كانت هذه المبتلاة ذات بعل، فرفضت بعلها، وظهرت للفساق تتبعهم في كل خربة (1) ، يفعلون بها ما ذكروا؟ أليست كانت تكون عن بعلها ناشزة، والناشزة عندنا وعندهم عاصية لربها، فاسقة، محرم عليها أزواج الدنيا وأزواج الآخرة إلاَّ أن تتوب، وقد قال جابر بن زيد (2) _رضي الله عنه_ لعبد الملك

(1) خرب الموضع بالكسر خراباً فهو خرب، ودار خربة، وخرَّبُوا بيوتهم شُدد لفشو الفعل أو للمبالغة.

والعجيب أنَّ المؤلف قال هذا الكلام عندما كانت الناس ناساً يئورون على مرتكب الفواحش، وينالون منهم حتى القتل، أما في القرن العشرين فليست هناك خرائب يرتكب فيها الفاحشة، وإنما هي القصور العالية والفنادق الشاهقة، والتي يقام عليها الحراس المدججون بالسلاح لحماية أصحاب الرذيلة من أن ينال منهم أو يصل إلى أسماعهم ما يجرح شعورهم _إن كان هناك شعور_، والأمر لله أولاً وآخراً.

(2) هو جابر بن زيد الأزدي التابعي أبو الشعثاء: تابعي فقيه من الأئمة من أهل البصرة، أصله من عُمان، صحب ابن عباس، وكان من بحور العلم، وصفه الشماخي (وهو من علماء الإباضية) أنَّه أصل المذهب وأسه الذي قامت عليه آطامه، نفاه الحجاج إلى عُمان. وفي كتاب الزهد للإمام أحمد: لما مات جابر بن زيد قال قتادة: "اليوم مات أعلم أهل العراق". راجع السير للشماخي 70-77، وتذكرة الحفاظ 1: 67، وتهذيب التهذيب 2: 38، وحلية الأولياء 3: 85، وحاشية الجامع الصحيح للسالمي 1: 7، والبداية والنهاية 9: 93 ـ 95.

٣٩٠ / ٤٦٠