الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

والتخلص منها بعد الممازجة، وأنتم تزعمون أنَّ فعل الحكمة (1) والخير أولى به من فعل الخير والشر، فإن قالوا: إنما دعاه إلى ممازجتها الذي يلقاه منها من خشونة، ويأتيه من تلقائها من السوء، فمازجها ليدع فيها شيئاً من جنسه، فيستلذ ناحيتها، فيكون ذلك فيها، قيل لهم: وما يؤمنكم أن يتخلص ذلك الجزء الذي هو من جنسه منها حين ينفرد، فيعود مثل ما كانت عليه؟ ويقال لهم: أخبرونا عن الظلمة أليست مواتاً؟ فإذا قالوا: بلى، قيل لهم: أوليس النور حيواناً (2) وهو الفاعل لكل خير، ولكل حسن وجميل؟ فيقولون: بلى، فيقال لهم: أخبرونا عن هذه الفواحش والقبائح والظلم والجور والعدوان والكذب، ممن هو؟ من النور أو من الظلمة؟ فإن زعموا أنَّه من الظلمة، قيل لهم: وكيف جعلتم ذلك منها وهي موات لا تفعل، ولا تعقل؟ فإن قالوا: إنَّ ذلك كله من النور، قيل لهم: وكيف وصفتموه بالكذب والظلم والجور والعدوان، وهو في قولكم: صاحب خير، ولا يفعل الشر؟ ثمَّ يقال لهم: ألستم تعلمون أنَّ في العلم من كذبكم، وكذب أقاويلكم، وزعم أنَّها باطل، ومنهم من أثبت ذلك وزعم أنَّه حق، فإن قالوا: نعم، قيل لهم: فمن فعل هذين الشيئين المتناقضين؟ والأشياء المتناقضة في العالم من إجازة المحال، ونفي العيان، فمن نفى العيان مرة، وأثبته مرة أخرى، ومن صدق نفسه، ومن كذبها، ومن فعل هذا الذي وصفناه كله

(1) - ماذا يقصد بالحكمة في هذا الموضع..؟ أيقصد بها العدل، والعلم، والحكم، والنبوة، والقرآن، والإنجيل، ووضع الشيء في موضعه، وصواب الأمر وسداده؟ أم يقصد بها ما في عرف العلماء من استعمال النفس الإنسانية باقتباس العلوم النظرية، واكتساب الملكة التامة على الأفعال الفاضلة قدر طاقتها..؟ أم يقصد بها معرفة الحقائق على ما هي عليه بقدر الاستطاعة: وهي العلم النافع المعبر عنه بمعرفة ما لها وما عليها، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً﴾؟ (سورة البقرة: 269).

إننا نرجع أنَّ المقصود بالحكمة: هي معرفة الحقائق على ما هي عليه.

(2) - حيواناً: أي حياة، قال تعالى: ﴿وما هذه الحياة الدنيا إلاَّ لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون﴾ (سورة العنكبوت: 64).

٤٠ / ٤٦٠