الموجز عبد الكافي بن يوسف بن إسماعيل التناوتي الوارجلاني أبو عمار

الجزء الأول من كتاب الموجز

الجزء ١ · صفحة ٢٩٤

من التناقض (1) ؟ فإن زعموا أن الظلمة فعلته فقد نقضوا قولهم وجعلوها حية فاعلة، وإن زعموا أنَّ هذا كله من فعل النور، قيل لهم: فمن أجهل ممن قال شيئاً، وهو عنده صدق، ثمَّ أكذب نفسه؟ ومن قال: إن شيئاً هو كذب، ثمَّ أخبر أنَّه صدق؟ ومن غضب من شيء، ثمّ رضي عنه؟ ومن أثنى على شيء بالثناء الحسن، ثمَّ أساء الثناء عليه؟ وليس شيء من الجهل والخطأ، واعتقاد الباطل، ونفي الحق إلاَّ وهو منه، فكيف زعمتم أنَّ هذا حكيم، وأنتم تضيفون إليه هذه الأشياء المتناقضة، وهذا الجهل الفاحش؟

ويسألون عما سئلت عنه المنانية، فيقال لهم: أخبرونا عن مفارقة النور الظلمة أَلِِطَبْعٍ (2) هو أم لاختيار؟ فإن زعموا أنَّه لطبع أبطلوا الممازجة بعد المفارقة، فإن قالوا باختيار فيلزمهم أن يكونوا لا يدرون لعلة قد مازجها قبل تلك المفارقة، ثمَّ تخلص منها، ثمَّ مازجها مائة ألف مرة، إذ كانت الممازجة والمفارقة اختياراً لا طبعاً، في جميع ما سئلت عنه المنانية، حرفاً حرفاً، وعليهم أكثر مما ذكرنا، وفيما ذكرنا من ذلك كفاية عما لم نذكره.

(1) - التناقض _عند المناطقة_: اختلاف الجملتين بالنفي والإثبات اختلافاً يلزم منه لذاته كون إحداهما صادقة والأخرى كاذبة، فإن كانت القضية شخصية أو مهملة فتناقضها بحسب الكيف، وهو الإيجاب والسلب بأن تبدله، فإن كان إيجاباً فتناقضها بحسب أن تبدله سلباً، وبالعكس: كالإنسان حيوان، ليس الإنسان بحيوان، وإن كانت القضية محصورة بأن تقدمها سور فتناقضها يذكر نقيض سورها.

والتناقض: يمنع صحة الدعوى، ولهذا قالوا: إقرار مال لغيره كما يمنع الدعوى لنفسه يمنعها لغيره بوكالة أو وصاية؛ لأنَّ فيه تناقضاً، والمراد من التناقض أن يتضمن دعوى المدعي إنكار بعد الإقرار. التعريفات للجرجاني.

(2) - الطبع: قوة للنفس في إدراك الدقائق، والسليقة: قوة في الإنسان بها يختار الفصيح من طرق التراكيب من غير تكلف، وتتبع قاعدة موضوعة لذلك مثل اتفاق طباع العرب الأولين على رفع الفاعل، ونصب المفعول، وجر المضاف إليه، وغير ذلك من الأحكام المستنبطة من تراكيبهم.

٤١ / ٤٦٠