الجزء الأول من كتاب الموجز
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧جاهل؟ وكيف لم تقولوا ظلمة؟ والظلمة شر، وإن كان خيراً فكيف لم تلحقوه بالنور؟ ثمّ يقال لهم: أخبرونا عن هذا المتوسط، هل له حقيقة من علم أو جهل؟ فإن قالوا: نعم قيل لهم: فعلى أي الأمرين هو؟ فإن قالوا: على الجهل (1) قيل: فهو إذن ظلمة، وإن قالوا: على العلم قيل لهم: فهو إذن نور، فأيما قالوا من ذلك صاروا به إلى أحد القولين، فيدخل عليهم جميع ما أدخلناه على إخوانهم الأولين.
فقد فرغنا من الكلام في إقامة الدلائل على حدوث العالم وإثبات المحدث، ومن الأجوبة لمن سألنا في ذلك، ومن نقض أقاويل الدهرية وأصحاب الاثنين، وتبيين فساد ما ذهبوا إليه، بالذي هو كاف عما لم نذكره من ذلك، والله وليَّ التوفيق.
القول في إثبات الرسالة للرسل صلى الله عليهم، والرد على من لم يثبتها.
وأما الأصل الثالث من أصول الملحدين: فهم الذين أقروا بحدوث العالم، وإثبات الصانع، ثمّ اختلفوا بعد ذلك في تثبيت الرسالة وإبطالها على ما سنذكره فيما بعد، إن شاء الله.
الفصل الأول من ذلك: مذهب البراهمة (2) :
وذلك أن البراهمة أنكروا جميع الرسل، وأبطلوا الرسالة، وزعموا أنَّ الذي
(1) - الجهل: يطلق الجهل عند المتكلمين على معنيين: الأول: هو الجهل البسيط، وهو عدا العلم عما من شأنه أن يكون عالماً، فلا يكون ضد العلم، بل مقابلاً له، تقابل العدم والملكة، ويقرب منه السهو والغفلة والذهول.
الثاني: الجهل المركب: وهو اعتقاد جازم غير مطابق للواقع، وإنما سمي مركباً لأنَّه يعتقد الشيء على خلاف ما هو عليه. فهذا جهل أول، ويعتقد أنه يعتقده على ما هو عليه، وهذا جهل آخر قد تركبا معاً، وهو ضد العلم. "راجع كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي: 1/278 ـ 279".
والجهل أنواع: باطل لا يصلح عذراً، وهو جهل الكافر بصفات الله تعالى وأحكامه، وكذا جهل الباغي، وجهل من خالف اجتهاده الكتاب والسنة، بخلاف الجهل في موضع الاجتهاد فإنَّه يصلح عذراً.
(2) - برهم: هو المعبود الأول والأكبر عند الهنود، وهو عندهم أصل كل الموجودات، واحد غير متغير، وغير مدرك، أزلي مطلق، سابق كل مخلوق، خلق العالم كله بمجرد ما أراد دفعة واحدة بقوله: "أوم"، أي كن، وعلى ذلك يكون برهم تشخيصاً لكل القوى الباطنة والظاهرة للطبيعة، وكثيراً ما يجعلون اسم برهم اسماً للأقانيم الثلاثة المؤلف منها ثالوث الهنود في: "برهما" و"شنو" و"سيوا"، ويقال لبرهم: "سوايمبواي"، أي القائم بذاته، ويسمى أيضاً "سرفان آلباران"، ومعناه الأزل؛ لأنَّ هذه الكلمة في الكتب الفارسية المعروفة بالزند، معناه الزمان غير المحدود أو الأبدية. والخلاصة انَّه يراد بذلك السرمدي، ويسمى أيضاً "برامند"، أي أبا المخلوقات.
أصحاب الرتبة الأولى من عبدة برهم الهنود الذين ولدوا من برهان بن برهما قيل: إنَّ أصلهم من سلالة رؤساء الهند الفاتحين؛ لأنَّهم كانوا الرتبة الشريفة العلمية في إيران، وكان بعضهم يتكهن فسموا بذلك، من: "بر" الفارسية ومعناها فوق، و"مان" ومعناها رجل حكيم.
والبراهمة: كهنة الهنود وحكماؤهم وعلماؤهم ورؤساء الدين والعلم والأدب، ويشتغلون بالصلاة والتسبيح، والطب والتنجيم، وهم قليلو الكلام، لا يأكلون لحم الحيوان، بل يقتصرون في قوتهم على النبات والثمار ولبن البقر والأرز، ويكثرون الصوم.
والبراهمة: يعتقدون خلود النفس والتناسخ.
وعدد البراهمة في آسيا يقارب المائتي مليون نسمة، يسلم منهم في كل عام خلق كثير.
راجع دائرة المعارف للبستاني: 5/375 ـ377 بتصرف، ودائرة معارف القرن العشرين 2/154ـ 164.